لا تُقاس المسيرة المهنية بطول السنوات، ولا بعدد المناصب والجوائز، بل بما تتركه من أثر في المؤسسة والإنسان والمجتمع. وفي تجربة الدكتورة وداد أحمد بوحميد، مدير إدارة الاتصال والتسويق في مؤسسة الإمارات للدواء، يبدو الأثر محور سيرة امتدت بين الاتصال الحكومي والقيادة والابتكار والعمل المجتمعي، وبين مسؤوليات المهنة ودور الأم، في اختبار لمعنى التوازن لا بوصفه معادلة بين أدوار متوازية، وإنما باعتباره قدرة على منح كل دور قيمة تتجاوز حدوده.
لم يكن الاتصال بالنسبة للدكتورة وداد مجرد صوت يرافق الإنجاز بعد اكتماله. فالمؤسسات لا تحتاج فقط إلى من يخبر الناس بما فعلته، بل إلى من يفهم المجتمع، ويقرأ تحولاته، ويترجم السياسات والقرارات إلى معنى واضح يصل إليه ويبني ثقته. ومن هنا تشكلت رؤيتها للاتصال الحكومي بوصفه جزءًا من صناعة الأثر نفسه: اتصال يستبق ولا ينتظر، يقرأ قبل أن يجيب، ويستخدم المعرفة والبيانات لفهم ما يمكن أن يحدث، لا للاكتفاء بتفسير ما حدث.
هذه الرؤية وراءها سنوات من الخبرة في الاتصال الحكومي، وإدارة السمعة المؤسسية والأزمات الإعلامية، والتواصل الرقمي، وقيادة المبادرات الاتصالية، وصولًا إلى تطوير حلول قائمة على البيانات والتحليلات المتقدمة وقياس الأثر المستدام. وتوثق سيرة الدكتورة وداد المهنية خبرة متخصصة في استراتيجيات الاتصال الحكومي المرتبطة بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وفي الابتكار المؤسسي وتطوير منهجيات اتصالية أكثر مرونة وفاعلية.
مع انتقالها إلى مؤسسة الإمارات للدواء، دخلت تجربتها مرحلة جديدة، في مؤسسة اتحادية تأسست ضمن تحول استراتيجي في تنظيم القطاع الدوائي في الدولة. وفي مرحلة التأسيس، أسهمت د. وداد في بناء الحضور الإعلامي والهوية الاتصالية للمؤسسة، وفي إيصال رسائلها إلى فئات المجتمع المختلفة، وترسيخ التواصل بوصفه أداة لدعم دورها الوطني.
ويكتسب هذا الدور بعدًا أعمق لأن مؤسسة الإمارات للدواء نفسها تتحرك ضمن رؤية تضع الابتكار والاستدامة واستشراف المستقبل في صميم عملها. هنا تلتقي طبيعة المؤسسة بمسار د. وداد العلمي والمهني؛ فالمستقبل الذي أصبح اليوم جزءًا من بيئة عملها، كان أيضًا موضوعًا اختارته للمعرفة والتخصص.
ففي عام 2025، حصلت على درجة الدكتوراه في قيادة الابتكار واستشراف المستقبل في المؤسسات الحكومية، في امتداد أكاديمي لمسار اختبرت خلاله التحولات التي طرأت على العمل الحكومي والاتصال المؤسسي ، والحاجة إلى الانتقال من إدارة الحاضر إلى الاستعداد للمستقبل.
كما حصلت على ماجستير إدارة الأعمال بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف من الجامعة الكندية في دبي عام 2012. لكن التعلم في تجربتها لم يتوقف عند الدرجات الأكاديمية. فمن الدبلوم التنفيذي لخبراء الاتصال الحكومي، إلى دبلوم الاتصال الرقمي الحكومي، ودبلوم تقييم منظومة التميز الحكومي، إلى البرامج المتخصصة في إدارة الأزمات والعلاقات العامة الرقمية وقياس وتقييم أدوات التواصل، تتضح سمة ملازمة لشخصيتها: الخبرة لا تعفي صاحبها من التعلم، بل تزيد حاجته إليه.
ومع أن الأرقام أو المسميات لا تكشف حجم تجربة د. وداد بوحميد، إلا أن بعض محطاتها تقدم إشارات واضحة على أثرها . فقد نالت وسام رئيس مجلس الوزراء للتميز في مجال الاتصال الحكومي عام 2022، وارتبطت مسيرتها بإنجازات وجوائز في الاتصال الحكومي والرقمي وإدارة الأزمات، من بينها جائزة أفضل حملة اتصال حكومي عبر الوسائل الحديثة على مستوى الوطن العربي.
ولا يتوقف دور الدكتورة وداد عند حدود المؤسسة. فإيمانها بأن الخبرة يجب أن يكون لها أثر في حياة الناس أخذها إلى مساحة أوسع من العمل المجتمعي والتوعية. حيث شاركت في لجان ومبادرات وطنية ارتبطت بمكافحة الاتجار بالبشر، والتوعية خلال الأزمات والطوارئ، إلى جانب مشاركات ومحاضرات تناولت قضايا مجتمعية ورقمية وإنسانية. بما يعكس امتداد خبرة الاتصال من المجال المؤسسي إلى مسؤولية التوعية وبناء الوعي.
في مسيرة د. وداد بوحميد هناك بعد آخر أكثر قربًا من الإنسان: وداد الأم. فالنجاح حين يُروى من خلال الوظيفة فقط، يترك جزءًا من القصة خارج الصورة. إذ تقف وراء الاجتماعات والمشروعات والشهادات والدراسة المستمرة مسؤولية من نوع آخر، لا تمنحها المناصب ولا تقيسها مؤشرات الأداء. وقد جاء تكريمها بجائزة الأم المثالية من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك “أم الإمارات” ليضيء هذا الجانب من حياتها. وهنا يكتسب مفهوم التوازن معنى أعمق. فالأمومة في تجربتها لم تكن محطة منفصلة عن الإنجاز المهني، كما أن المهنة لم تكن بديلًا عن حضورها الإنساني.
يصعب اختصار تجربة د. وداد في لقب واحد. فهي خبيرة اتصال، لكنها اختارت أن تذهب بالاتصال نحو الاستباق وصناعة القرار. وهي أكاديمية واصلت تطوير معرفتها حتى الدكتوراه، لكنها ربطت المعرفة بالممارسة. وهي قيادية اهتمت بالابتكار، لكنها لم تفصله عن الإنسان. وهي حاضرة في العمل المجتمعي، لأن أثر المؤسسة في نظرها لا ينتهي عند أبوابها. وهي أم، حملت إلى جانب مسؤولياتها المهنية مسؤولية بناء الإنسان في مساحته الأولى: الأسرة.
وفي يوم المرأة الإماراتية، تبدو هذه التجربة أبعد من قصة نجاح فردية. إنها واحدة من التجارب التي تجسد حضور المرأة الإماراتية شريكًا فاعلًا في صناعة التأثير والمساهمة في تشكيل المستقبل. وفي المسافة بين العلم والابتكار، وبين القيادة والأمومة، وبين الطموح والمسؤولية، وبين ما يتحقق اليوم وما يُبنى للغد، تواصل الدكتورة وداد بوحميد كتابة قصتها، لا بصوت الإنجاز وحده، بل بما يستطيع هذا الإنجاز أن يتركه من أثر.
التعليقات مغلقة.