الإمارات ترسخ اقتصاد الفضاء.. من استكشاف المدار إلى صناعة متكاملة تقودها البيانات والذكاء الاصطناعي
تشهد دولة الإمارات تحولاً متسارعاً في قطاع الفضاء، الذي تجاوز خلال عام 2026 دوره التقليدي في تنفيذ المهمات العلمية وإطلاق الأقمار الاصطناعية، ليتحول إلى منظومة اقتصادية متكاملة تجمع بين التصنيع والبنية التحتية والبيانات والذكاء الاصطناعي والبحث والتطوير والاستثمار وتنمية الكفاءات.
ويعكس هذا التحول انتقال الدولة من مرحلة بناء القدرات الفضائية إلى توسيع نطاق استخدامها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية وتقنية ومعرفية، ضمن مستهدفات استراتيجية وطنية تستهدف مضاعفة عائدات اقتصاد الفضاء، وزيادة القيمة المضافة للقطاع بنسبة 60%، إلى جانب مضاعفة أعداد الشركات الوطنية والناشئة وتوسيع الاستثمارات في الأصول والبنية التحتية وتعزيز حضور الصادرات الفضائية الإماراتية عالمياً.
وتأتي الاستراتيجية الوطنية لقطاع الفضاء 2031، التي اعتمدها مجلس الوزراء في مارس 2026، لتضع البعد الاقتصادي في صدارة المرحلة المقبلة، من خلال تعزيز جاذبية المنظومة الفضائية للاستثمار، وتطوير الشراكات الدولية، والوصول إلى الأسواق العالمية، وبناء بنية تحتية ومرافق فضائية بمعايير تنافسية.
وتستند هذه المستهدفات إلى قاعدة فضائية قائمة بالفعل، إذ أسهمت الاستراتيجية السابقة في تطوير 30 قمراً اصطناعياً، فيما تجاوز عدد المؤسسات العاملة في الاقتصاد الفضائي الإماراتي 170 مؤسسة.
وبرزت سبيس 42 خلال العام نموذجاً لتحويل البيانات الفضائية إلى خدمات اقتصادية، مع دخول الأقمار فورسايت-3 و فورسايت-4 وفورسايت-5 مرحلة التشغيل الكامل في يونيو، ليرتفع عدد أقمار كوكبة رصد الأرض إلى خمسة أقمار.
وتوفر الكوكبة تحليلات جيومكانية عالية الدقة تصل إلى 25 سنتيمتراً، فيما يعمل مركز GIQ المدعوم بالذكاء الاصطناعي على تحويل البيانات الأولية إلى معلومات قابلة للاستخدام في اتخاذ القرار خلال دقائق، مع إمكانية تقليص زمن الاستجابة للطوارئ بنسبة تصل إلى 90% وخفض تكاليف الصيانة التنبؤية بنحو 30%.
ويعكس ذلك اتساع مفهوم اقتصاد الفضاء الإماراتي، بحيث لا تتوقف القيمة عند تصنيع القمر وإطلاقه، وإنما تمتد إلى البيانات وتحليلها وتحويلها إلى منتجات وخدمات.
وفي مايو، أطلقت الإمارات برنامج التعاون الفضائي الدولي بتمويل يبلغ مليار درهم، بهدف تعزيز الشراكات بين المؤسسات البحثية والأكاديمية الوطنية ونظيراتها الدولية والشركات المتخصصة.
ويستهدف البرنامج تسريع تطوير التقنيات ونقل المعرفة وتحويل مخرجات البحث والتطوير إلى تطبيقات وصناعات ذات قيمة اقتصادية، إلى جانب دعم توطين التكنولوجيا وبراءات الاختراع وتأهيل الكوادر الوطنية.
وشهد سبتمبر تطوراً بارزاً في مسار التصنيع الفضائي، مع إعلان مارلان سبيس ولوفت أوربيتال قيادة تحالف باستثمارات تبلغ مليار دولار في فرنسا لتطوير الطائر – الجيل الجديد، على أن يتم تصنيع الكوكبة في أبوظبي.
وتضم المرحلة الأولى 50 قمراً مزودة بتقنيات رادارية وبصرية وقدرات حوسبة، فيما بدأت عمليات تصنيع أول عشرة أقمار، في مشروع يجمع القدرات التصنيعية الإماراتية وسلاسل التوريد الأوروبية.
كما وقعت سبيس 42 وفياسات اتفاقية ملزمة لتأسيس إكواتيس، بمنصة مشتركة للبنية التحتية الفضائية والأرضية، مع مساهمات رأسمالية أولية مشتركة تصل إلى مليار دولار، بهدف توسيع خدمات الاتصالات المتنقلة في المناطق التي تفتقر إلى الشبكات الأرضية.
وامتدت تطبيقات التكنولوجيا الفضائية الإماراتية إلى قطاعات متعددة، من حماية الحبارى ومراقبة حرائق الغابات إلى النقل والطيران والمركبات ذاتية القيادة.
وفي المجال العلمي، جرى تمديد مهمة مسبار الأمل ثلاث سنوات إضافية لمواصلة دراسة الغلاف الجوي للمريخ، بعد أن وفر أكثر من 10 تيرابايت من البيانات العلمية وأسهم في نشر أكثر من 35 ورقة علمية محكمة وتطوير مهارات عشرات الطلبة الإماراتيين.
كما تتواصل مهمة الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات، التي تمتد على 13 عاماً لدراسة سبعة كويكبات، مع تخصيص نصف أعمالها للقطاع الخاص، بدعم من الصندوق الوطني للفضاء بنحو مليار دولار.
وفي سبتمبر، استكمل مركز محمد بن راشد للفضاء دمج حمولة RTx على راشد 2، تمهيداً لمهمته إلى الجانب البعيد من القمر، لدراسة باطن سطحه بعمق يصل إلى 100 متر، مع بحث تطبيقات مستقبلية للتقنية في مشاريع الاستكشاف والقواعد القمرية المستدامة.
وبالتوازي مع التوسع في البنية التحتية والمشروعات، تواصل الإمارات الاستثمار في بناء الكوادر المتخصصة عبر مبادرات وبرامج تشمل هاكاثون الفضاء للشباب العربي وأكاديمية الفضاء الوطنية وبرنامج رواد المستقبل للفضاء»، إلى جانب إشراك الطلبة والباحثين في عدد من المهمات الفضائية.
وتشير المؤشرات إلى ارتفاع عدد الجهات العاملة في القطاع إلى ثلاثة أضعاف خلال الفترة بين 2020 و2025، بالتزامن مع تضاعف عدد الجامعات الإماراتية التي تقدم برامج متخصصة في علوم وتقنيات الفضاء بين 2015 و2025.
وتعزز الإمارات بالتوازي حضورها في حوكمة الفضاء والتعاون الدولي، من خلال رئاسة فريق الخبراء الدولي المعني بالوعي بالحالة الفضائية، وتوسيع الشراكات مع دول ومؤسسات فضائية، من بينها فرنسا والهند وروسيا ووكالة الفضاء الأفريقية.
وتؤكد حصيلة عام 2026 أن قطاع الفضاء الإماراتي يتجه نحو نموذج اقتصادي أوسع، يقوم على بناء سلاسل قيمة متكاملة تبدأ من التصنيع والتجميع والاختبار، وتمتد إلى تشغيل الأقمار وتحليل البيانات وتطوير الخدمات والتطبيقات، بما يعزز موقع الفضاء كأحد محركات الاقتصاد المعرفي والتكنولوجي في الدولة.
التعليقات مغلقة.