الثقة تتصدر معايير الاستثمار في الإمارات.. والتحدي تحويل الثروات إلى اقتصاد منتج
لم تعد المنافسة على استقطاب الاستثمارات العالمية تُحسم بالحوافز الضريبية أو المشروعات الكبرى وحدها، بل باتت ترتبط بقدرة الاقتصادات على توفير بيئة مستقرة وواضحة التشريعات، وسريعة التنفيذ، وقادرة على التكيف مع التحولات الدولية. وفي هذا السياق، تبرز دولة الإمارات بوصفها وجهة تستند جاذبيتها إلى مزيج من الثقة المؤسسية، والبنية التحتية المتطورة، والانفتاح الاقتصادي، وتنوع الفرص الاستثمارية.
ويرى مسؤولون تنفيذيون وخبراء اقتصاديون أن المرحلة المقبلة من النمو الإماراتي تتطلب الانتقال من التركيز على حجم رؤوس الأموال الوافدة إلى تعظيم أثرها الاقتصادي، عبر توجيه الاستثمارات نحو القطاعات المعرفية والصناعات المتقدمة والابتكار، واستحداث وظائف عالية الإنتاجية، وتعزيز قدرة الشركات المحلية على المنافسة في الأسواق العالمية.
وتتجاوز أهمية الثقة، وفق هذه الرؤية، قرار المستثمر بدخول السوق، لتشمل استمراره في ضخ الأموال، وتوسيع أعماله، وتأسيس عمليات طويلة الأجل، بما يجعل الاستقرار التنظيمي وكفاءة المؤسسات عنصرين أساسيين في استدامة تدفقات الاستثمار.
قال توماس كوروفيلا، الشريك الإداري لدى آرثر دي ليتل في الشرق الأوسط والهند، إن إحدى أبرز نقاط قوة الاقتصاد الإماراتي تتمثل في قدرته على تحويل السياسات والخطط الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة، من خلال تقليص الفجوة بين اتخاذ القرار والتنفيذ.
وأوضح أن الوقت والتعقيدات الإجرائية يمثلان تكلفة فعلية للمستثمرين، ما يجعل سرعة تأسيس الأعمال ووضوح المتطلبات التنظيمية من العوامل المؤثرة في اختيار الأسواق. وأشار إلى أن الإمارات جاءت في المرتبة الخامسة بين 70 اقتصاداً في تصنيف التنافسية العالمية لعام 2026، وفق المعهد الدولي للتنمية الإدارية، كما احتلت المرتبة التاسعة في تصنيف التنافسية الرقمية لعام 2025.
وأضاف أن الحفاظ على هذه المكانة يتطلب التركيز بصورة أكبر على استقرار الأطر التنظيمية، وتوافر الكفاءات، ورفع الإنتاجية، وتسهيل توسع الشركات دولياً، بالتوازي مع مواصلة تطوير التنسيق المؤسسي والشفافية التنظيمية.
ومع اتساع قاعدة المستثمرين والشركات الدولية، يبرز تحدي توجيه رأس المال نحو الأنشطة الأعلى قيمة للاقتصاد. ووفقاً لما أورده كوروفيلا، لا تزال قطاعات تجارة الجملة والتجزئة والعقارات تستحوذ على حصة كبيرة من رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد إلى الإمارات، بينما تظل هناك فرص لتعزيز وزن الأنشطة المعرفية والتكنولوجية ذات القيمة المضافة المرتفعة.
وتشمل مؤشرات التحول المنشود زيادة الإنفاق على البحث والتطوير، وتوليد الملكية الفكرية، وتأسيس مراكز إقليمية وعالمية للشركات، وتوسيع الصناعات المتقدمة، إلى جانب توفير وظائف نوعية تسهم في نقل المعرفة ورفع كفاءة الاقتصاد.
وأكد أن استقطاب أصحاب الثروات لا ينبغي أن يقتصر على انتقال الأموال إلى الدولة، بل يمتد إلى جذب المستثمرين الذين يؤسسون شركات جديدة، والمكاتب العائلية التي تعيد توظيف أصولها محلياً، ورواد الأعمال الذين يطورون أنشطة إنتاجية قابلة للنمو والتوسع.
من جانبه، قال بيتر ماثيوز، الرئيس التنفيذي لمجموعة «سنشري 21» في الإمارات والهند، إن البنية التحتية المتقدمة والبيئة التنظيمية والاستثمارات المستمرة في التنمية تمنح الشركات والأفراد قدرة أكبر على التخطيط طويل الأجل، وتساعد في تفسير جاذبية الإمارات للمستثمرين الدوليين وأصحاب الثروات.
وأشار إلى أن الأمن وجودة الحياة والارتباط بالأسواق العالمية، إلى جانب برامج الإقامة طويلة الأمد والمبادرات الحكومية لتطوير القطاع العقاري، تدعم قرارات المستثمرين المتعلقة بتوسيع الأعمال أو نقل العائلات أو إدارة الثروات من داخل الدولة.
وأضاف أن الاستثمارات العقارية الأجنبية في دبي بلغت، بحسب البيانات الواردة في التقرير، 148.35 مليار درهم خلال الربع الأول من عام 2026، بنمو سنوي نسبته 26%. ولفت إلى أن المستثمرين أصبحوا أكثر اهتماماً بتقييم مصداقية المطورين، وجودة المجتمعات السكنية والخدمات، والآفاق المستقبلية للأصول قبل اتخاذ قرارات الشراء.
وفي قطاع التكنولوجيا، أكد سابيا سين، نائب الرئيس ورئيس منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا والهند وآسيا والمحيط الهادئ لدى ألتيريكس، أن البنية الرقمية والأطر التنظيمية الواضحة تساعد الشركات على تقييم الأسواق والتوسع فيها بثقة أكبر.
وأوضح أن جودة البيانات وسهولة الوصول إليها وحوكمتها تمثل عناصر مهمة لاتخاذ القرارات الاستثمارية، خصوصاً مع التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي. واستشهد بنتائج بحث عالمي أجرته الشركة، أظهرت أن 49% من قادة الأعمال وتقنية المعلومات المشاركين يرون أن توافر بيانات عالية الجودة وخاضعة لحوكمة فعالة هو المتطلب الأهم لتحقيق الإمكانات الكاملة للذكاء الاصطناعي الوكيلي.
وأشار إلى أن الحفاظ على التنافسية الرقمية يتطلب الجمع بين الاستثمار في البنية التحتية وتأهيل الكفاءات، مع قياس الأثر الفعلي للتكنولوجيا في الإنتاجية وتخصيص الموارد وسرعة الاستجابة لتغيرات الأسواق.
بدوره، قال عبدالله الإبياري، العضو المنتدب لخدمات الاستشارات السيادية في «ألفاريز آند مارسال»، إن الثقة الاستثمارية تتعزز عندما تتوافر قواعد واضحة لحقوق الملكية والترخيص وإدارة الأعمال، بما يساعد المستثمرين على تقييم المخاطر ووضع خطط توسع طويلة الأجل.
وأوضح أن مرونة تأسيس الشركات، وإتاحة الملكية الأجنبية الكاملة في معظم الأنشطة مع مراعاة الاستثناءات والضوابط الخاصة، وتطور المراكز المالية الدولية، كلها عوامل تدعم مكانة الإمارات في استقطاب المؤسسات العالمية وإدارة الأصول.
وأشار إلى أن تنوع الاقتصاد واتساع القطاعات غير النفطية يوفران قاعدة أوسع للفرص الاستثمارية، فيما تتيح البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية والاتصالات للشركات خدمة أسواق متعددة انطلاقاً من الدولة. كما لفت إلى نمو النشاط المؤسسي في إدارة الأصول، بما يعكس اتساع دور الإمارات في حركة رؤوس الأموال الإقليمية والدولية.
ولا تقتصر عوامل الجذب على الاعتبارات المالية والتنظيمية، إذ تلعب جودة الحياة والأمن والتعليم والرعاية الصحية والإقامة طويلة الأمد دوراً في قرارات المستثمرين وعائلاتهم. وأكد محمد علي ياسين، الرئيس التنفيذي لشركة مزايا الغاف التابعة لـ لونيت، أن هذه المقومات، إلى جانب حرية حركة الأموال وتنوع الفرص الاستثمارية، ساعدت الإمارات على ترسيخ مكانتها وجهةً للأفراد والشركات من مختلف أنحاء العالم.
وأضاف أن تطور المراكز المالية والخدمات المهنية، ووجود خيارات متنوعة للاستثمار وإدارة الثروات، يدعمان قدرة الدولة على استقطاب رؤوس الأموال والمحافظة عليها، في وقت تتزايد فيه أهمية الاستقرار ووضوح البيئة الاقتصادية عند اتخاذ القرارات طويلة الأجل.
من جانبه، رأى تاتسويا سوزوكي، الرئيس التنفيذي لشركة «كاسوميغاسيكي للتطوير العقاري»، أن وضوح التشريعات وقابليتها للتوقع، إلى جانب البنية التحتية والأمن والاستقرار والرؤية العمرانية طويلة الأمد، تمثل عوامل أساسية عند اتخاذ قرارات استثمارية تتطلب التزاماً رأسمالياً ممتداً.
وأشار ديباك سيلفاراج، مدير التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي في نكست جين، إلى أن التقدم الرقمي الإماراتي يستند إلى توجه استثماري وتنظيمي يستهدف مواكبة التحولات التقنية وتوسيع استخداماتها في الخدمات والأعمال.
واعتبر أن الثقة بالتكنولوجيا ترتبط بقدرتها على تحقيق نتائج يمكن قياسها، من خلال تحسين الإنتاجية، وتسريع اتخاذ القرارات، ورفع كفاءة استخدام الموارد، مؤكداً أهمية بناء منظومة تجمع بين التشريعات الاستشرافية والبنية التحتية الرقمية وتأهيل الكفاءات.
وفي قطاع الاقتصاد الرقمي، قال إسكندر نجار، الرئيس التنفيذي لمجموعة إكويتي، إن الأطر التنظيمية المتقدمة في الإمارات أسهمت في توفير بيئة داعمة للابتكار وتطوير حلول جديدة، ولا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المالية، كما ساعدت على تعزيز الروابط بين مراكز التكنولوجيا والاستثمار العالمية والأسواق الإقليمية.
وتشير آراء الخبراء إلى أن المرحلة المقبلة من التنافسية الإماراتية لن تتوقف عند جذب مزيد من المستثمرين أو تسجيل تدفقات مالية مرتفعة، بل ستعتمد على قدرة الاقتصاد على تحويل هذه التدفقات إلى شركات أكثر ابتكاراً، وفرص عمل نوعية، وصناعات متقدمة، ومعرفة قابلة للتصدير.
فاستقطاب رأس المال يمثل مؤشراً على الثقة، واستمراره يعكس استقرار البيئة الاستثمارية، لكن الأثر الأعمق يظهر عندما يسهم هذا رأس المال في بناء قدرات إنتاجية جديدة وتعزيز تنافسية الشركات ورفع مساهمة القطاعات عالية القيمة.
وبهذا المعنى، فإن ترسيخ مكانة الإمارات مركزاً عالمياً للاستثمار يرتبط باستمرار تطوير المؤسسات والتشريعات، وتوسيع قاعدة الاقتصاد المعرفي، وقياس النتائج الفعلية للاستثمارات، بما يضمن انتقال الثقة من ميزة تنافسية في جذب الأموال إلى ركيزة للنمو المستدام والازدهار طويل الأجل.
التعليقات مغلقة.