خريطة الثروة العالمية حتى 2035.. الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة يعيدان رسم موازين الاقتصاد

د. أشرف غراب، نائب رئيس الاتحاد العربي للتنمية الاجتماعية بمنظومة العمل العربي بجامعة الدول العربية مستقبل الاقتصادات لن تحسمه الموارد ورؤوس الأموال وحدها.. بل القدرة على تحويل المعرفة إلى إنتاج وصادرات وقيمة مضافة

 لم تعد خريطة الثروة العالمية تُرسم وفق حجم الموارد الطبيعية أو وفرة رؤوس الأموال أو اتساع الأسواق فحسب، بل باتت ترتبط بصورة متزايدة بقدرة الدول على امتلاك التكنولوجيا وتوطين المعرفة وتحويل الابتكار إلى إنتاج قابل للمنافسة والتصدير. ومع تسارع التحولات الرقمية والصناعية، وتزايد التوترات الجيوسياسية واضطراب سلاسل الإمداد، يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من إعادة توزيع مصادر القوة والثروة، تتقدم فيها الاقتصادات الأكثر قدرة على الابتكار ورفع الإنتاجية وامتلاك أدوات المستقبل.

 

وفي قراءة لمستقبل الاقتصاد العالمي حتى عام 2035، يرسم الدكتور أشرف غراب، الخبير الاقتصادي ونائب رئيس الاتحاد العربي للتنمية الاجتماعية بمنظومة العمل العربي بجامعة الدول العربية لشؤون التنمية الاقتصادية، ملامح خريطة استثمارية جديدة، تتصدرها قطاعات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة النظيفة والروبوتات والتكنولوجيا الحيوية، مؤكداً أن امتلاك الموارد ورأس المال لم يعد كافياً لضمان التفوق، ما لم يقترن بقدرة حقيقية على إنتاج المعرفة وتطوير التكنولوجيا وتحويلها إلى منتجات وخدمات ذات قيمة مضافة مرتفعة.

 

ويرى غراب أن العالم يشهد تحولاً في مفهوم الثروة ذاته؛ فالقيمة الاقتصادية لم تعد تُقاس فقط بما تمتلكه الدول من أصول وموارد، وإنما بما تستطيع إنتاجه من حلول وتقنيات وخدمات متقدمة، وبمدى قدرتها على إدماج الابتكار في مختلف الأنشطة الاقتصادية. ومن هنا، فإن المنافسة خلال العقد المقبل لن تكون على الأسواق وحدها، بل على امتلاك سلاسل القيمة والتكنولوجيا والمهارات البشرية التي تتحكم في مستقبل الإنتاج والتجارة.

 

الولايات المتحدة والصين.. قطبا الثروة الجديدة

في تقدير غراب، ستواصل الولايات المتحدة والصين تصدر الاقتصادات الأكثر قدرة على الاستحواذ على حصة كبيرة من القيمة المضافة الجديدة حتى عام 2035، وإن اختلفت الأدوات التي يستند إليها كل منهما.

 

فالولايات المتحدة تمتلك منظومة متكاملة تجمع البحث العلمي والتمويل والشركات التكنولوجية والأسواق العالمية، بما يمنحها قدرة على تحويل الأفكار والابتكارات إلى منتجات وخدمات ذات انتشار واسع. وفي المقابل، تستند الصين إلى قاعدة صناعية ضخمة، وشبكات توريد متكاملة، وقدرات تصديرية متقدمة، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا والطاقة النظيفة، وهو ما يعزز موقعها في الصناعات التي ستقود التحول الاقتصادي العالمي.

 

وتبرز الهند أيضاً ضمن الاقتصادات المرشحة لتعزيز وزنها الدولي، مستفيدة من حجم سوقها الكبير وقاعدتها البشرية واتساع الخدمات الرقمية وفرص التصنيع. غير أن تحويل هذه المقومات إلى ثروة مستدامة، وفق غراب، يتطلب استثمارات أوسع في التعليم والبنية الإنتاجية ورفع كفاءة العمالة وزيادة الإنتاجية، بما يضمن توفير فرص عمل منتجة تتجاوز مجرد التوسع الكمي في النشاط الاقتصادي.

 

أما كوريا الجنوبية واليابان وألمانيا وهولندا وسنغافورة، فمن المتوقع أن تحتفظ بأدوار مؤثرة في قطاعات التكنولوجيا والصناعة والتمويل، مستفيدة من الخبرات المتخصصة والتقنيات المتقدمة التي يصعب الاستغناء عنها. ويؤكد ذلك أن حجم الدولة الجغرافي أو السكاني ليس العامل الحاسم في توليد الثروة، بقدر ما تمثله قدرتها على التخصص والابتكار والتحكم في حلقات مهمة من سلاسل القيمة العالمية.

 

الذكاء الاصطناعي والطاقة.. محركات الاستثمار حتى 2035

تتصدر التكنولوجيا المتقدمة والطاقة الجديدة قائمة القطاعات التي يتوقع أن تقود تكوين الثروة خلال السنوات المقبلة. ويضع غراب الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والأمن السيبراني والروبوتات والتكنولوجيا الحيوية، إلى جانب الطاقة المتجددة وشبكات الكهرباء وتقنيات تخزين الطاقة، في مقدمة المجالات التي ستستقطب الاستثمارات وتعيد تشكيل الصناعات التقليدية.

 

ولا ينظر غراب إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره قطاعاً تكنولوجياً مستقلاً فحسب، بل بوصفه أداة قادرة على رفع إنتاجية قطاعات الاقتصاد المختلفة، من خلال تحسين كفاءة المصانع، وترشيد استهلاك الطاقة، وإدارة المخزون والنقل، وتطوير خدمات الرعاية الصحية والزراعة والقطاع المالي.

 

وتكمن القيمة الاستثمارية الحقيقية لهذه التطبيقات في قدرتها على خفض تكاليف التشغيل، وتحسين جودة الخدمات، وتوسيع نطاق المنتجات الرقمية والوصول بها إلى أسواق متعددة. فالشركات التي تنجح في توظيف الذكاء الاصطناعي لحل مشكلات إنتاجية فعلية، وتحقيق وفورات قابلة للقياس، ستكون أكثر قدرة على بناء نماذج أعمال مستدامة.

 

لكن الرهان على التكنولوجيا لا يعني أن جميع الشركات العاملة في هذا المجال ستنجح أو أن كل استثمار فيها سيحقق عوائد مرتفعة. ويحذر غراب من مخاطر ارتفاع التقييمات الاستثمارية وتكاليف التشغيل، وشدة المنافسة، والاعتماد على الرقائق والمنصات الأجنبية، فضلاً عن تحديات حماية البيانات والأمن السيبراني.

 

ومن ثم، فإن معيار النجاح لا يتمثل في حجم الإنفاق على التكنولوجيا أو انتشار استخدامها، وإنما في قدرتها على توليد إيرادات مستدامة وتحقيق قيمة اقتصادية واضحة، وهو ما يفرض على المستثمرين التمييز بين الابتكار القادر على إحداث تحول إنتاجي حقيقي وبين المشروعات التي تستند إلى موجات الاهتمام المؤقتة.

 

الخليج ومصر.. فرص عربية في اقتصاد المستقبل

على المستوى العربي، يرى غراب أن السعودية والإمارات تمتلكان مقومات مهمة لتعزيز حضورهما في الأنشطة الاقتصادية الجديدة، بفضل القدرات التمويلية والبنية التحتية المتقدمة وموارد الطاقة وجاذبية الاستثمار. إلا أن التحدي الأساسي يتمثل في الانتقال من تمويل التكنولوجيا واستقطاب الشركات العالمية إلى بناء شركات وطنية قادرة على تطوير المعرفة وإنتاج الحلول وتصديرها.

 

فاستضافة الشركات الدولية وشراء المعدات والتقنيات يمثلان نقطة انطلاق مهمة، لكنهما لا يكفيان وحدهما لضمان الاحتفاظ بجزء كبير من القيمة الاقتصادية المتولدة. ويتطلب الأمر توسيع مشاركة الشركات المحلية في التصميم والتطوير والبحث العلمي، وتدريب الكوادر الوطنية، وبناء سلاسل توريد محلية قادرة على دعم الصناعات المتقدمة.

 

وفي المقابل، تمتلك مصر والمغرب والأردن وتونس فرصاً واعدة في مجالات الصناعة والخدمات الرقمية والهندسة والدواء، وفقاً للمزايا التنافسية لكل اقتصاد. وتحتاج هذه الدول إلى توجيه الاستثمارات نحو الأنشطة الإنتاجية والتصديرية، وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير المهارات، بما يسمح لها بالاستفادة من التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

 

وبالنسبة إلى مصر، يحدد غراب مجموعة من القطاعات التي يمكن أن تمثل بوابة لتعزيز نصيبها من الثروة العالمية الجديدة، وفي مقدمتها البرمجيات والخدمات الهندسية والتعهيد المتخصص والصناعات الدوائية والغذائية والمكونات الكهربائية والخدمات اللوجستية، مستفيدة من حجم السوق والقاعدة البشرية والموقع الجغرافي.

 

غير أن المنافسة في هذه المجالات لا يمكن أن تقوم على انخفاض تكلفة العمالة وحده، إذ أصبحت الأسواق الدولية أكثر ارتباطاً بجودة المنتجات ومستوى المهارات والقدرة على الالتزام بمواعيد التسليم واستقرار سلاسل التوريد. ولذلك، فإن بناء ميزة تنافسية مستدامة يتطلب الاستثمار في تأهيل الكوادر، وتوفير الطاقة ومدخلات الإنتاج، وتيسير التمويل، وتحسين جودة التصنيع، واستقرار القواعد المنظمة للنشاط الاقتصادي.

 

من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها وتصديرها

يمثل التحول من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها أحد أهم التحديات أمام الاقتصادات العربية. ويؤكد غراب أن هذا الانتقال ممكن، لكنه لا يتحقق بقرارات سريعة أو باستثمارات منفردة، بل يحتاج إلى بناء قدرات إنتاجية ومعرفية تتراكم على المدى الطويل.

 

ويبدأ المسار باستقطاب الشركات العالمية وتطوير البنية التحتية، لكنه لا يكتمل إلا عندما تصبح الشركات المحلية قادرة على تصميم منتجاتها وتطويرها وتسويقها، ثم توسيع حضورها في الأسواق الخارجية. ويتطلب ذلك بيئة اقتصادية مستقرة، ومنافسة عادلة، وتعليماً عالي الجودة، وتمويلاً موجهاً للابتكار، وحماية فعالة للملكية الفكرية.

 

كما يشدد غراب على ضرورة ربط السياسات الصناعية بمؤشرات أداء واضحة، تشمل زيادة الإنتاجية والصادرات، وتطوير الموردين المحليين، ورفع نسبة القيمة المضافة داخل الاقتصاد، بدلاً من الاكتفاء بحجم الاستثمارات المعلنة أو عدد المشروعات الجديدة.

 

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الشراكات الاستثمارية الأجنبية التي تتضمن نقلاً فعلياً للمعرفة وتدريب الكوادر وتطوير الموردين المحليين، إلى جانب إشراك الشركات الوطنية في أنشطة البحث والتصميم والتطوير، بما يضمن أن تتحول الاستثمارات الوافدة إلى قدرات إنتاجية محلية مستدامة.

 

كما يمثل التكامل الاقتصادي العربي فرصة لتعزيز القدرة التنافسية للمنطقة، من خلال تسهيل التجارة الرقمية والمدفوعات، وتوحيد المواصفات، وتطوير آليات الاعتراف بالمؤهلات، وتوجيه المزيد من التمويل طويل الأجل إلى البحث والتطوير والشركات الناشئة والصناعات القابلة للتصدير.

 

الإصلاح الاقتصادي.. مفتاح مصر لاقتناص ثروة 2035

يربط غراب قدرة مصر على الاستفادة من التحولات العالمية بمدى نجاحها في تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتحسين بيئة الاستثمار والإنتاج. ويضع خفض التضخم، وتحسين استدامة الدين، وإتاحة التمويل للأنشطة الإنتاجية، ضمن الركائز الأساسية التي تساعد الشركات على التوسع وبناء مشروعات طويلة الأجل.

 

كما يتطلب تحسين مناخ الأعمال وضوح القواعد الضريبية والجمركية، وتسريع تنفيذ التعاقدات، وتيسير إتاحة الأراضي الصناعية، وتعزيز المنافسة، وتبسيط إجراءات تأسيس الشركات وممارسة أنشطتها، بما يوجه رؤوس الأموال نحو القطاعات الأعلى إنتاجية وقدرة على التصدير.

 

ويرى أن المرحلة المقبلة تستدعي التركيز على عدد محدد من سلاسل الإنتاج التي تمتلك فرصاً حقيقية في الأسواق الخارجية، مع ربط التعليم الفني والجامعي باحتياجات الشركات، وتوجيه البحث العلمي لمعالجة التحديات الإنتاجية الفعلية، وربط الحوافز الاستثمارية بزيادة القيمة المضافة المحلية وتنمية المهارات والتوسع التصديري.

 

ولا ينبغي، وفق هذا التصور، أن يقتصر تقييم نجاح السياسات الاقتصادية على معدلات نمو الناتج المحلي أو ارتفاع تقييمات الشركات، بل يجب أن يمتد إلى نمو الصادرات، وتحسن إنتاجية العامل، وزيادة الأجور الحقيقية، وارتفاع عدد الشركات الوطنية القادرة على تطوير منتجات تنافسية والوصول إلى العملاء في الخارج.

 

الإنسان والتكنولوجيا.. معادلة الثروة الجديدة

تكشف خريطة الاقتصاد العالمي حتى عام 2035 أن الثروة لن تكون حكراً على الدول الأكثر امتلاكاً للموارد أو الأكبر حجماً، بل ستكون من نصيب الاقتصادات التي تنجح في بناء الإنسان وتطوير التكنولوجيا وتحويل المعرفة إلى إنتاج، والإنتاج إلى صادرات، والصادرات إلى دخول وفرص عمل مستدامة.

 

ومن هذا المنطلق، فإن الرهان الحقيقي أمام مصر والعالم العربي لا يتمثل فقط في جذب الاستثمارات أو استضافة الشركات العالمية، وإنما في امتلاك القدرة على المشاركة في صناعة المستقبل، وتطوير منتجات وطنية قادرة على المنافسة، والاحتفاظ بحصة أكبر من القيمة المضافة داخل اقتصادات المنطقة.

 

وبينما تتسابق الدول على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والصناعات المتقدمة، تظل الإصلاحات الاقتصادية والتعليم والتدريب والبحث العلمي عناصر لا غنى عنها لتحويل الفرص إلى ثروة فعلية. فاقتصاد المستقبل لن يكافئ من يستهلك التكنولوجيا فحسب، بل من يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على إنتاجها وتصديرها.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com