اتفاق مكة… هل يبدأ الشرق الأوسط بصناعة مظلته الأمنية؟
بقلم : كرم مندامي زين الدين مستشار وخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية
مرّ ثمانية عشر يومًا على توقيع اتفاق مكة، وما زلت أبحث في نصه، وفي المواقف التي تلته، عن اسم العدو فلا أجده. والأغرب أنني كلما بحثت عنه وجدت بدلًا منه دولة جديدة تدخل دائرة السؤال. إيران لم تُسمَّ عدوًا وبقيت قنوات الحوار معها مفتوحة. تركيا أكدت أن الاتفاق ليس بديلًا عن حلف شمال الأطلسي. مصر أصبحت احتمالًا معلنًا للانضمام، ودخل اسم بنغلادش بدوره دائرة النقاش. وهنا بدأت أطرح السؤال بطريقة مختلفة: ماذا لو كنا نبحث منذ السابع من آب عن العدو، بينما الدول الثلاث تبحث في الحقيقة عن الفراغ؟
فالشرق الأوسط لا يعاني نقصًا في التحالفات ولا في القواعد ولا في السلاح. الذي بدأ يتغير هو اليقين بأن أمن المنطقة يمكن أن يبقى معتمدًا، بالطريقة نفسها وإلى ما لا نهاية، على قرار يأتي من خارجها. وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة تغادر، ولا أن الرياض وأنقرة وإسلام آباد قررت استبدالها بقوة أخرى. نحن، على الأرجح، أمام بداية البحث عن مساحة بين التحالف والاعتماد، بين المظلة التي يوفرها الحليف والقدرة التي يجب أن تمتلكها الدولة عندما تتغير حسابات ذلك الحليف.
وليس مصادفة أن يولد الاتفاق في قلب حرب ما زالت مشتعلة ولا يعرف أحد شكل نهايتها. فالحرب الجارية غيّمت كل الحسابات، لا أحد يستطيع أن يجزم متى تتوقف، ولا على أي خريطة تتوقف، ولا من يخرج منها أقوى ومن يخرج مثقلًا. وفي تقديري أن هذا الضباب نفسه هو الذي عجّل بالتوقيع. فالدول لا تنتظر وضوح نهاية الحرب لكي ترتب أمنها، بل ترتب أمنها لأن النهاية غير واضحة. ولهذا أقرأ اتفاق مكة بوصفه ملمحًا من ملامح النظام الإقليمي الذي سيلي الحرب، لا حلفًا للحرب المقبلة، ولا مجرد حاصل جمع للجيوش التي اجتمعت تحته.
سيادة القرار أولًا. الدولة التي لا تحمي قرارها تبقى قدرتها على حماية حدودها ناقصة مهما بلغت ترسانتها. ليس المطلوب أن تنقلب دول المنطقة على تحالفاتها، فهذا تبسيط لا تقوله الوقائع، بل أن تمتلك هامشًا يسمح لها بأن تسأل قبل الأزمة المقبلة، ماذا نستطيع أن نفعل نحن، لا ماذا ستفعل واشنطن وحدها؟
ثم الردع. وضع الاتفاق معادلة ثقيلة وواضحة، الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداء عليها جميعًا. لكنه فعل شيئًا أكثر إثارة للاهتمام: لم يسمِّ المعتدي، وكأن بناء القدرة سبق تعريف مصدر الخطر. وقد أكدت الدول الموقعة لاحقًا أن الاتفاق لا يستهدف دولة بعينها. فالتهديد لم يعد يأتي من اتجاه واحد ولا يأخذ شكلًا واحدًا. صاروخ، مسيّرة، هجوم سيبراني، تعطيل ميناء أو ضربة لمنشأة طاقة، كلها تنتج اليوم أثرًا استراتيجيًا يتجاوز بكثير مكان وقوعها.
وهنا يدخل الاقتصاد إلى غرفة العمليات. السعودية لا تحمي حدودها فقط، بل رؤية اقتصادية ومدنًا واستثمارات وثقة عالمية تراكمت حول تحول طويل الأجل. تركيا تحمي صناعة وموانئ وموقعًا لوجستيًا يربط قارات. وباكستان تحتاج إلى الاستقرار بقدر حاجتها إلى الردع. لذلك لم يعد أثر الصاروخ يقاس بعدد الأمتار التي دمرها، بل بما يفعله في اليوم التالي: هل ارتفع التأمين؟ هل غيرت السفن مسارها؟ هل أجّل المستثمر قراره؟ هذه الأسئلة ليست ملحقًا اقتصاديًا بالأمن، إنها الأمن نفسه بصورته الجديدة: حماية الثقة بالأرض، لا حماية الأرض وحدها.
والجغرافيا تقول الباقي. الدول الثلاث ليست ثلاث نقاط متباعدة، بل فضاء يمتد من شرق المتوسط إلى الخليج فبحر العرب، وفي محيطه قناة السويس وباب المندب وهرمز، شرايين تمر فيها الطاقة والغذاء والتجارة والكابلات ومصالح قوى أكبر بكثير من المنطقة نفسها. ولهذا فإن مصر أكثر من مجرد اسم محتمل لدولة رابعة. القاهرة تدرس فعلًا المسألة، وأنقرة أعلنت رغبتها في انضمامها. وإذا اقتربت مصر يومًا من هذه المنظومة، جاءت معها قناة السويس والبوابة الشمالية للبحر الأحمر وثقل عسكري وسياسي عربي كبير، وعندها يصبح الحديث عن أمن إقليمي أكثر واقعية، لأن أجزاء أساسية من شبكة الممرات تكون قد اقتربت من مساحة تنسيق واحدة.
أما الخليج، فالسؤال فيه أدق من جردة أسماء. لا يمكن التفكير في أمن الممرات من دون الإمارات وعُمان، ولا في الغاز وشبكات الوساطة من دون قطر. لكن الإمارات، في تقديري، ليست اسمًا نضعه في خانة الحاضر أو الغائب عن اتفاق مكة، لأنها ركن في المعادلة سواء جلست إلى هذه الطاولة أم لم تجلس. فالجغرافيا أعطتها موقعًا على الخليج العربي وعلى خليج عُمان، لكنها لم تكتفِ بما أعطتها الجغرافيا. الفجيرة عدّلت الميزان. هناك، خارج مضيق هرمز، بنت الإمارات منفذًا مباشرًا إلى المياه المفتوحة، وربطت أبوظبي بالفجيرة بخط للنفط الخام يسمح بتجاوز المضيق، وهي تمضي اليوم إلى تعزيز قدرتها على التصدير عبر الفجيرة. وهنا يصبح السؤال في أمن الممرات أكبر من: من يملك المضيق؟ السؤال هو، من يملك البديل عندما يختنق المضيق؟ ولهذا لا أرى موقع أبوظبي من هندسة الأمن الإقليمي من زاوية الانضمام إلى اتفاق مكة وحدها. الإمارات موجودة في الحساب أصلًا، لأن من يملك القدرة على إبقاء جزء مهم من الطاقة والتجارة في الحركة عندما يضيق أحد الشرايين لا يقف خارج المعادلة، بل يصبح أحد أركانها.
وبين الرياض وأبوظبي هناك تنافس اقتصادي واستراتيجي على الموانئ والممرات ورأس المال والمكانة الإقليمية، لكنه يجري داخل شبكة واسعة من المصالح المشتركة. ومن هنا سأراقب موقع أبوظبي من تطور اتفاق مكة، لا لأعرف إن كانت معه أو ضده، فهذه قراءة لا تكفي، بل لأعرف كيف ستدخل قدراتها وموقعها في هندسة أمن إقليمي تتشكل، وهل تتجه المنطقة إلى مساحة تنسيق أوسع تحت سقف واحد، أم إلى أكثر من مظلة تتجاور وتتقاطع.
ثم إيران. إذا كان الاتفاق موجّهًا إليها، فلماذا حرصت الدول الموقعة على القول إنه لا يستهدفها؟ ولماذا بقيت قنوات الحوار مفتوحة؟ لذلك يبدو لي سؤال آخر أكثر فائدة: ما الحدود التي تريد الدول الثلاث رسمها لنفوذها وقدرتها على الردع؟ فالسعودية لا تحتاج حربًا تهدد مسارها الاقتصادي، وتركيا لا مصلحة لها في جبهة جديدة، وباكستان تعرف حساسية حدودها وتوازناتها. قد نكون أمام معادلة تجمع الردع والحوار، القدرة على قول لا، من دون إغلاق الباب الذي يسمح بالجلوس إلى الطاولة في اليوم التالي.
وإسرائيل لا أحتاج إلى القول إن الاتفاق أنشئ ضدها حتى أضعها في قلب الحسابات. أي إعادة توزيع لقدرات الردع ستُقرأ في تل أبيب كما ستُقرأ في طهران وواشنطن. لكن المواجهة المقبلة، إن حصلت، لن تكون بالضرورة دبابات مقابل دبابات، بل منافسة على سوريا وشرق المتوسط والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، وعلى الموانئ والطاقة وطرق الإمداد والنفوذ الاقتصادي. في عالم اليوم تستطيع أن تعطل مشروع خصمك من دون أن تطلق عليه النار.
غير أن أحد الاختبارات الحقيقية لنطاق الاتفاق يقع على خط كشمير. وجود باكستان يعني أن الالتزام الدفاعي الجديد يطرح، نظريًا، سؤالًا حساسًا يتعلق بالهند، القوة النووية والشريك الاقتصادي الكبير للسعودية. وهنا تختلف حسابات الرياض وأنقرة وإسلام آباد، ولا يمكن افتراض أن علاقتها بنيودلهي واحدة. لذلك فإن أي توتر جدي في جنوب آسيا قد يتحول إلى اختبار سياسي لنطاق الاتفاق: أين تبدأ المظلة وأين تنتهي؟ وطريقة الإجابة عن هذا السؤال ستكشف عن طبيعة الالتزام أكثر مما قد تكشفه أي مناورة مشتركة.
والصين لا تحتاج إلى توقيع اتفاق مكة لكي تكون حاضرة في حساباته. يكفي النظر إلى حاجتها للطاقة، وشراكتها مع باكستان، وحجم تجارتها العابرة لهذه البحار. بكين لا تريد حمل المظلة الأميركية، لكنها لا تستطيع تجاهل أمن الطرق التي تتحرك تحتها تجارتها.
وأصل إلى السؤال الذي أراه أقسى من كل ما سبق: من يدفع ثمن عدم الاستقرار؟ لا يدفعه الجيش وحده. يدفعه مالك السفينة عندما تقفز فاتورة التأمين، والمستورد عندما يطول الطريق، والدولة عندما ترتفع فاتورة الطاقة، والمستثمر عندما تتحول المخاطر السياسية إلى كلفة مالية، والمواطن في النهاية عندما يصل كل ذلك إلى سعر الغذاء والكهرباء وفرصة العمل. بين الصاروخ الذي يُطلق في مكان ما والفاتورة التي تصل إلى بيت يبعد آلاف الكيلومترات سلسلة اقتصادية كاملة لا تظهر في نشرات الأخبار. لهذا أرى أن اتفاق مكة، إذا تطور، سيكون اقتصاديًا بقدر ما هو عسكري.
لكن هنا يجب التوقف قبل أن يأخذنا التحليل أبعد مما تسمح به الوقائع. بعد ثمانية عشر يومًا لم تعد أمامنا إرادة سياسية فقط. بدأت ملامح البناء تظهر: آليات للتنسيق السياسي والعسكري، واجتماعات على المستويات السياسية والعسكرية، وتوجه إلى تدريبات مشتركة وتعاون أعمق في مجالات الدفاع والتكنولوجيا. لكن الطريق بين هذه الخطوات وبين مظلة عسكرية مكتملة ما زال طويلًا. فما زالت التفاصيل التشغيلية هي الاختبار الحقيقي: كيف تتخذ القرارات؟ ماذا يحدث في الساعة الأولى من الاعتداء؟ كيف تتبادل الدول الإنذار والمعلومات؟ وأين تبدأ حدود الالتزام وأين تنتهي؟ هذه ليست تفاصيل تقنية، هذه هي المسافة الفاصلة بين اتفاق يعلن الردع ومنظومة تستطيع ممارسته.
لذلك ستكون الأشهر المقبلة أهم من يوم التوقيع نفسه. سأراقب أقل ما يقال في المؤتمرات، وأكثر ما يحدث في مراكز القيادة وتبادل المعلومات والدفاع الجوي والأمن البحري والسيبراني. وسأراقب الكراسي التي ستُضاف إلى الطاولة، وتلك التي ستختار البقاء بعيدة عنها. وقبل ذلك كله سأراقب مسار الحرب نفسها، فكلما طال ضبابها اتسع الفراغ الذي وُلد الاتفاق ليملأه.
بعد ثمانية عشر يومًا، لم أعد أبحث عن اسم العدو الذي لم يذكره اتفاق مكة. أصبحت أبحث عن شيء آخر: من يريد أن يحمل جزءًا من مسؤولية الأمن، ومن يريد البقاء تحت المظلة القائمة، ومن يريد الجمع بين الاثنين؟
فالشرق الأوسط لا يبدو في طريقه إلى إسقاط المظلة الأميركية وبناء أخرى مكانها، بل إلى شيء أكثر واقعية وأبعد أثرًا: أن يبني أعمدة يرفع بها جزءًا من مظلته بنفسه، من دون أن يهدم المظلات التي تحالف معها.
وعندها يصبح السؤال الذي بدأ في مكة أكبر من مكة نفسها: هل يبدأ الشرق الأوسط الانتقال من استهلاك الأمن إلى صناعته، ومن سيدفع الثمن إذا تأخر؟
التعليقات مغلقة.