في منتصف المضيق، الإمارات تتنفس

بقلم: أكرم مندامي زين الدي مستشار وخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية

 حين تختنق الممرات، تظهر قيمة الرئة البديلة. هذا باختصار ما تعيشه الإمارات العربية المتحدة اليوم، دولة تقف في قلب العاصفة الإقليمية، تتلقى ارتداداتها المباشرة، ومع ذلك تتنفس، لا لأن العاصفة رحيمة بها، بل لأنها بنت رئتها الثانية قبل أن تحتاج إليها.

 

المشهد الخليجي العام لا يحتمل التجميل. قطر خفضت ميزانيات عدد من إداراتها الحكومية بنسبة تصل إلى ثلاثين بالمئة بعد الضربة التي أصابت منشآت رأس لفان، وسجلت عجزا قفز أكثر من عشرين ضعفا في عام واحد. السعودية أعلنت أعلى عجز فصلي منذ ثماني سنوات مع ارتفاع الإنفاق العسكري بأكثر من ربع قيمته. الكويت تواجه عجزا متوقعا يقارب اثنين وثلاثين مليار دولار، والبحرين تسير نحو مستويات دين تقترب من مرة ونصف حجم اقتصادها. صندوق النقد الدولي يتوقع انكماشات وتباطؤا، ويوصي حكومات المنطقة بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق لا توسيع العجز.

 

هذه الأرقام ليست جداول محاسبية، بل نبض منطقة تعيد اكتشاف حدود قوتها، وتتعلم، تحت النار، الفرق بين الثروة والمنعة.

في هذا المشهد، تبرز الإمارات حالة مختلفة، لا لأنها خارج الحرب، بل لأنها داخلها بأدوات مختلفة.

 

فالإمارات كانت من أكبر المتضررين في المراحل الأولى من المواجهة، وحركة المسافرين عبر مطار دبي الدولي تراجعت بنسبة تفوق الثلاثين بالمئة في النصف الأول من العام، وهو رقم ثقيل لاقتصاد جعل من وظيفة المعبر العالمي أحد أعمدته. وشركة أدنوك، إحدى كبريات شركات الطاقة في العالم، تعمل في ظروف وصفتها هي نفسها بأنها بالغة الصعوبة. لا أحد إذن يدّعي أن الدولة بمنأى عن النار.

 

ومع ذلك، أقرت الإمارات موازنة اتحادية متوازنة لعام 2026، بإيرادات ومصروفات متساوية تبلغ 92.4 مليار درهم، من دون عجز مقدر، في وقت تتسع فيه العجوزات من حولها. هذا التوازن ليس صدفة حسابية، بل ثمرة مسار طويل من تنويع الإيرادات بين الضرائب ورسوم الخدمات وعوائد الاستثمارات، مسار بدأ قبل الأزمة بسنوات، حين كان التنويع خيارا استراتيجيا لا ضرورة قسرية.

 

والأهم من الأرقام، الجغرافيا التي أعيد تعريفها بقرار. فالموانئ الواقعة خارج مضيق هرمز، وفي مقدمتها الفجيرة، وشبكة الأنابيب البرية التي تنقل النفط من حقول الداخل إلى ساحل المحيط مباشرة، تحولت اليوم من بنية احتياطية إلى شريان حياة. الخط الذي بدا لسنوات استثمارا مكلفا في سيناريو افتراضي، يعمل الآن في السيناريو الحقيقي الذي بني من أجله. وهنا درس استراتيجي يتجاوز الإمارات نفسها: البنية التحتية الوقائية لا تقاس كلفتها يوم إنشائها، بل يوم الحاجة إليها.

 

وهذا الاستعداد ليس وليد قرار حديث، بل امتداد لثقافة تأسيسية عمرها نصف قرن. فالجيل الذي زرع الأخضر في الرمل حين قيل له إن الصحراء لا تنبت، هو نفسه الذي مد الأنابيب نحو ساحل لم تكن الحاجة إليه قد ولدت بعد. الدول، ككبار الكتاب، تعرف بما تكتبه قبل أن يطلب منها أحد أن تكتب. والإمارات كتبت فصل نجاتها قبل عقود من اندلاع الحريق، يوم كان التخطيط للأسوأ يبدو ترفا في زمن الوفرة.

 

ثم جاء القرار الأبعد أثرا، تعليق جميع المعاملات المالية والاقتصادية مع الجارة الشرقية حتى إشعار آخر. هذه ليست خطوة إجرائية، بل إعادة تعريف لدور تاريخي لعبته موانئ الخليج العربي لعقود. الدولة التي كانت نقطة الوصل التجارية الأولى لجارتها اختارت أن تغلق هذه النافذة، مرجحة أمنها الاستراتيجي واصطفافها الإقليمي على عائد الوساطة التجارية. قرار من هذا الوزن لا يتخذ لظرف عابر، وقراءته الصحيحة أنه تحول بنيوي في الموقع والدور.

 

وأكتب هذه السطور من دبي نفسها، لا من مكتب بعيد يقرأ التقارير. أقيم هنا وأعمل، وأرى المدينة كل صباح بعين المقيم قبل عين المحلل. أرى سماء أقل ازدحاما بالطائرات، لكن شوارع لم تفقد إيقاعها، وأسواقا لم تغلق، ومؤسسات تعمل كأن العاصفة شأن خارجي يدار ولا يستسلم له. وأنا ابن بلد دفع غاليا ثمن غياب الخطة وثمن الاتكال على الممر الواحد والمورد الواحد، أعرف تماما وزن ما أشاهده. من عاش الانهيار يميز التماسك حين يراه، ولا يمر عليه مرور العابرين.

 

فماذا بعد؟

القراءة الهادئة ترجح أن الإمارات مرشحة للخروج من هذه المرحلة أقوى نسبيا داخل المنظومة الخليجية، لثلاثة أسباب. أولها أن الفجيرة سترسخ مكانتها ممرا دائما للطاقة لا مجرد بديل طارئ، وما يترسخ في الأزمات يبقى بعدها. وثانيها أن رأس المال الإقليمي الباحث عن الاستقرار سيواصل التمركز حيث المؤسسات راسخة والموازنات منضبطة. وثالثها أن غياب العجز يمنح الدولة هامشا نادرا للإنفاق المضاد للدورة الاقتصادية، أي القدرة على الاستثمار حين يضطر الآخرون إلى التقشف، وهذه ميزة تصنع الفوارق في مراحل ما بعد الحروب.

 

يبقى تحد واحد لا تحله الموازنات، وهو الثقة. فنموذج الطيران والسياحة والترانزيت الذي بنته دبي عبر عقود لا يستعيد عافيته بقرار إداري، بل بعودة اطمئنان المسافر والمستثمر والشركة العالمية إلى أن السماء آمنة والممرات مفتوحة. والثقة، بطبيعتها، تحتاج سنوات لتبنى وأشهرا لتهتز.

 

في منتصف المضيق، حيث يختنق كثيرون، تتنفس الإمارات. لا لأنها محظوظة، بل لأنها استعدت. والدرس الذي تقدمه للمنطقة كلها واضح: الدول لا تنجو بحجم ثرواتها، بل بحسن توزيعها بين الحاضر والمستقبل، وبين الممر الواحد والممرات المتعددة.

 

وفي أعماق هذا الدرس حكمة أقدم من الحرب وأبقى منها: أن الأمم لا تختبر في أيام الرخاء، بل في اللحظة التي تضيق فيها المضائق، فيتبين حينها من بنى بيته على الرمل ومن حفر بئره قبل الظمأ. ومن حفر بئره قبل الظمأ، لا يشرب وحده حين يعطش الجميع، بل يصبح، شاء أم أبى، مرجع المنطقة في فن البقاء

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com