الاستثمار لا يحتاج حوافز فقط.. يحتاج وقتًا أقل

بقلم: د. علي الدكروري رائد أعمال ومستشار استراتيجي دولي في الاستثمار والتنمية الاقتصادية

عندما نتحدث عن جذب الاستثمار، يتجه النقاش غالبًا إلى الضرائب، وسعر الأرض، وتكلفة التمويل، والحوافز التي يمكن أن يحصل عليها المستثمر.

وكلها عوامل مهمة.

 

لكن من واقع الاستثمار وإدارة الأعمال، أرى أن هناك عنصرًا لا يحصل دائمًا على الاهتمام نفسه، رغم أنه قد يكون من أكثر العناصر تأثيرًا في قرار المستثمر: الوقت.

فالمستثمر لا يحسب فقط كم سيدفع حتى يبدأ مشروعه، بل يحسب أيضًا متى سيبدأ هذا المشروع في الإنتاج وتحقيق الإيرادات.

وهنا يصبح الوقت نفسه جزءًا من تكلفة الاستثمار.

اليوم الضائع له ثمن

لنفترض أن شركتين تريدان إنشاء المصنع نفسه في دولتين مختلفتين.

تكلفة الأرض والطاقة والعمالة متقاربة، والحوافز الاستثمارية متشابهة.

لكن الشركة الأولى تستطيع الحصول على الأرض والتراخيص وتوصيل المرافق واستيراد المعدات وبدء الإنتاج خلال عام، بينما تحتاج الثانية إلى عامين.

أي دولة سيختارها المستثمر؟

الفارق هنا ليس حافزًا ضريبيًا.

 

إنه عام كامل من الإيرادات، والتشغيل، وفرص السوق.

ولهذا أصبحت سرعة الإجراءات والتنفيذ جزءًا من القدرة التنافسية لأي اقتصاد، تمامًا مثل تكلفة الإنتاج وجودة البنية الأساسية.

مصر تمتلك قاعدة قوية للبناء عليها

خلال السنوات الأخيرة استثمرت الدولة المصرية بصورة كبيرة في الطرق والموانئ والطاقة والمناطق الصناعية والبنية الأساسية، بالتوازي مع إصلاحات تستهدف زيادة دور القطاع الخاص وتحسين بيئة الاستثمار.

وتشير البيانات المنشورة إلى تنفيذ أكثر من ألف إجراء إصلاحي داعم للقطاع الخاص خلال السنوات الأخيرة، مع ارتفاع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات.

هذه قاعدة مهمة جدًا.

 

لكن القيمة الأكبر لهذه البنية والإصلاحات تظهر عندما يستطيع المستثمر تحويل قراره إلى مشروع يعمل بأسرع وقت ممكن.

فالطريق الجديد يوفر ساعات في النقل، والميناء الأكثر كفاءة يخفض أيام الانتظار، والمنصة الرقمية تختصر وقت الإجراءات، والموافقة السريعة تقلل الفترة التي يظل فيها رأس المال مجمدًا دون عائد.

كل ذلك له قيمة مالية حقيقية، حتى وإن لم يظهر في قائمة الحوافز الاستثمارية.

من تكلفة الاستثمار إلى تكلفة الانتظار

 

في دراسات الجدوى نحسب تكلفة الأرض والمبنى والآلات والعمالة والتمويل.

لكن هناك تكلفة أخرى يجب أن نفكر فيها بصورة أكبر: تكلفة الانتظار.

رأس المال الذي تم ضخه ولم يبدأ العمل بعد له تكلفة.

 

والآلة الموجودة في الميناء ولا تعمل لها تكلفة.

والمصنع المكتمل الذي ينتظر إجراءً أخيرًا قبل التشغيل له تكلفة.

وحتى الفرصة نفسها قد يكون لها عمر محدود، لأن المستثمر الذي يتأخر في دخول سوق جديدة قد يجد منافسًا سبقه إليها.

 

ومن هنا، فإن اختصار الإجراءات لا يعني فقط تسهيل حياة المستثمر، بل يعني رفع العائد الاقتصادي للمشروع والدولة معًا.

المستثمر الحالي أفضل رسالة للمستثمر الجديد

هناك نقطة أخرى لا تقل أهمية.

 

أفضل وسيلة لتسويق دولة للمستثمرين ليست الإعلان وحده، وإنما تجربة المستثمر الموجود بالفعل داخلها.

عندما تنشئ شركة عالمية مصنعًا في مصر، ثم تجد أن المشروع بدأ في موعده، وأن الميناء يعمل بكفاءة، وأن التوسع الثاني أصبح أسرع من الأول، فإن هذه الشركة نفسها تتحول إلى رسالة ثقة للأسواق العالمية.

ولهذا فإن تحسين تجربة المستثمر بعد دخوله قد يكون أكثر قيمة من إنفاق مبالغ كبيرة لإقناع مستثمر جديد بالدخول.

 

فالاستثمار الناجح يجذب استثمارًا آخر.

المنافسة لم تعد على الحوافز فقط

العالم اليوم يتنافس على المصانع، ومراكز البيانات، وسلاسل الإنتاج، والتكنولوجيا، ورأس المال.

والمستثمر يستطيع المقارنة بين عدة دول خلال أيام.

 

ولهذا فإن الدولة الأكثر تنافسية لن تكون بالضرورة التي تقدم الأرض الأرخص أو الإعفاء الأكبر.

قد تكون ببساطة الدولة التي تقول للمستثمر:

اتخذ قرارك اليوم.. وابدأ الإنتاج في أسرع وقت.

 

ومصر تمتلك عناصر قوية لتحقيق ذلك: سوقًا كبيرة، وموقعًا استراتيجيًا، وقناة السويس، وموانئ حديثة، وبنية أساسية واسعة، واتفاقيات تجارية تفتح أسواقًا كبيرة أمام المنتج المصري.

والمرحلة الأكثر أهمية هي تحويل هذه المزايا مجتمعة إلى ميزة في سرعة التنفيذ.

في النهاية، رأس المال يبحث عن العائد، لكنه يحسب الزمن أيضًا.

 

وكل يوم نستطيع اختصاره بين قرار المستثمر وبدء الإنتاج هو حافز استثماري حقيقي، حتى لو لم يظهر في قانون الضرائب.

وفي اقتصاد سريع التغير، قد تكون أفضل رسالة نقدمها للمستثمر ليست فقط: لدينا فرصة جيدة، بل أيضًا: نستطيع أن نحول هذه الفرصة إلى مشروع يعمل بسرعة.

 

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com