التنشئة الصحيحة لعلاقات صحية

بقلم: مي نويلاتي كاتبة متخصصة في شؤون تنشئة الأطفال

يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش، عنوان قصة قصيرة للكاتبة هيفاء بيطار، تسلط فيه الضوء على الدور الأساسي للأم في رعاية طفلها وعطائها اللامتناهي له. من هنا تنطلق الحياة من دفء الأسرة، التي تشكل اللبنة الأولى لبناء مجتمع متوازن. فالمحبة الواعية تبدأ من التفاصيل الصغيرة، مثل استجابة الأم لنداء طفلها منذ نعومة أظفاره،

 

مما يغرس في نفسه بذور الثقة المطلقة بنفسه، وبأمه، ومن ثم بالمجتمع. وعندما ينضج هذا الطفل، تبدأ علاقاته مع المرأة من أرضية صلبة ومتزنة، لأنه حظي بالاهتمام والرعاية الكافيين.

على العكس، عندما يُحرم الطفل من الاهتمام والرعاية المناسبة، ويتشرب أفكاراً بالية من المجتمع تقوم على بناء شخصية ذكورية متسلطة في التعامل مع المرأة، فإن ذلك يؤدي إلى إلغاء دور المرأة وتهميشها في المجتمع.

 

من ناحية أخرى، تعرضت المرأة لتلقين ممنهج يدعوها إلى أن يكون دورها إرضاء الرجل وإلغاء هويتها، مقابل تيارات نسوية نادت بتحرر المرأة وكسر قيود التبعية الاقتصادية والفكرية. هذا التوازن المجتمعي يواجه اليوم تحديات فكرية في العالم العربي. ففي حين أن الفيلسوفة جوليا كريستيفا ناصرت الحركات النسوية ورفضت تهميش المرأة، معتبرة أن الرجل يمثل “مركز المدينة” والمرأة من “الضواحي” التي يمكن أن تصبح المركز، إلا أن المبالغة في تبني هذه الأفكار دفعت بعض النساء نحو استقلالية مادية وفكرية ألغت كينونة الرجل وأضعفت دوره، مما خلق تشوهاً في العلاقات.

 

إن الاستقلال والتعليم وحق القرار مكاسب ضرورية للمرأة، لكن ينبغي ألا تنفصل المرأة عن فطرتها المبنية على الاحتواء والعطاء، وألا تلغي الرجل من حياتها. لذا، يصبح من الضروري إعادة النظر في معادلة “المركز والضواحي”، فلا يجب أن يهمش أحد الطرفين الآخر. التوازن الحقيقي لا يتحقق بنقل السلطة من طرف إلى آخر، بل بأن يتخلى الاثنان عن فكرة “الضواحي” ليلتقيان كشريكين متساويين وسندين لبعضهما في “المركز”. فالإنسان، رجلاً كان أم امرأة، يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش.

 

وقدّمت دولة الإمارات، وخاصة دبي، نموذجاً استثنائياً في تمكين المرأة بفضل الدعم والتشريعات القيادية، مما أتاح لها نيل حريتها الكاملة في العمل والتعليم، ومشاركة الرجل كشريك استراتيجي في مسيرة التنمية المستدامة.

 

ولم تكن هذه الريادة الاقتصادية والمهنية للمرأة الإماراتية على حساب دورها الفطري، بل نجحت بكفاءة عالية في تحقيق التوازن، فظلت السند لبيتها والملهمة لتربية أطفالها على قيم الطموح والهوية. لتثبت عملياً أن الوجود في “مركز” العطاء والقرار يبدأ من توازن الأسرة وينتهي برفع بنيان الوطن.

 

العلاقات الصحيحة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج تربية واعية وثقافة مجتمعية تحترم دور المرأة كشريك متساوٍ ومكمل في بناء المجتمع

التعليقات مغلقة.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com