هل ينجح توجه المطورين العقاريين نحو إدارة أعمال البناء داخلياً؟
بقلم : إبراهيم إمام، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي المشارك لشركة PlanRadar
في دبي، بدأ عدد من كبار المطورين العقاريين في تقليل اعتمادهم على المقاولين العموميين، والاتجاه بدلاً من ذلك إلى تأسيس أذرع إنشائية داخلية تتولى إدارة أعمال البناء بشكل مباشر. ويمثل هذا التوجه تحولاً واضحاً عن النموذج التقليدي الذي اعتمد عليه القطاع لعقود طويلة، إلا أن العوامل التي تدفعه لا تقتصر على منطقة الخليج وحدها.
فالمطورون الذين كانوا في السابق يختارون من بين عدد كبير من المقاولين المؤهلين، باتوا اليوم يواجهون سوقاً أقل تنافسية. ففي دبي، لم تعد بعض المناقصات التي كانت تستقطب سابقاً نحو 25 عرضاً تتلقى سوى عرضين أو ثلاثة في بعض الحالات. ولا يقتصر هذا الضغط على الخليج، إذ أشار 40% من المطورين في المملكة المتحدة بحلول منتصف عام 2024 إلى صعوبة الحصول على عدد كافٍ من مقدمي العطاءات، مع ظهور توجهات مشابهة في أوروبا. ومع تراجع عدد الخيارات المتاحة، تتراجع أيضاً قدرة المطورين على تحدي التكاليف أو إعادة التفاوض على الجداول الزمنية من موقع تنافسي قوي.
لكن الإشكالية الأعمق ترتبط بالنموذج التقليدي نفسه. فالمطور هو من يلتزم برأس المال ويتحمل النتيجة الاستثمارية النهائية، بينما تبقى الصورة اليومية لما يحدث فعلياً في موقع البناء لدى المقاول. وفي كثير من الأحيان، لا تصل المشكلات إلى المطور إلا بعد أن تظهر في صورة تأخر في البرنامج الزمني أو تجاوز في التكاليف، أي بعد أن تكون فرصة التدخل المبكر قد أصبحت محدودة. وتُقدّر تكلفة أوجه عدم الكفاءة في قطاع البناء عالمياً، بما في ذلك التأخير وإعادة العمل، بنحو 1.6 تريليون دولار سنوياً، في حين تتراوح تجاوزات التكلفة في المشاريع الكبرى غالباً بين 20% و45%. ومن هنا، يظهر التوجه نحو إدارة التنفيذ داخلياً كوسيلة يحاول من خلالها المطورون استباق هذه التحديات. ولكن هل يحقق هذا التوجه ما يعد به فعلاً، أم أنه ينقل المشكلة إلى داخل المؤسسة فقط؟
ما الذي يغيره التوجه نحو إدارة التنفيذ داخلياً؟
يقاس نجاح المقاول العام عادةً بقدرته على إنجاز المشروع وفق النطاق المحدد، وفي الوقت المتفق عليه، وضمن شروط العقد. أما بالنسبة للمطور، فإن معيار النجاح أوسع من ذلك، إذ يرتبط بأصل عقاري قادر على تحقيق العوائد والحفاظ على قيمته على المدى الطويل. ورغم وجود تقاطع واضح بين الهدفين، إلا أنهما ليسا متطابقين بالكامل، وقد تؤدي القرارات اليومية الصغيرة المتخذة وفق منطق طرف واحد إلى آثار تجارية غير مباشرة على الطرف الآخر.
عندما تنتقل إدارة التنفيذ إلى داخل مؤسسة المطور، يصبح المسؤولون عن الموقع أكثر ارتباطاً بالنتيجة التجارية النهائية للمشروع. وبذلك، يمكن تصعيد المخاطر في وقت مبكر، لأن الجهة التي ترصد المشكلة هي نفسها الجهة التي ستتحمل تبعاتها. كما تصبح عملية اتخاذ القرار أسرع، لأن الأطراف المعنية لا تحتاج إلى المرور بسلسلة طويلة من المفاوضات التعاقدية قبل التحرك.
كيف تتغير توقعات المطورين من المقاولين العموميين؟
إذا كانت المشكلة الأساسية لا تتعلق بالملكية بقدر ما تتعلق بتدفق المعلومات، فإن الرسالة الموجهة إلى المقاولين العموميين تصبح واضحة. لم تعد التقارير الدورية التي يعتمد فيها المطور على ما يقدمه المقاول فقط كافية. فالتوقع الجديد يتمثل في توفير رؤية تشغيلية واضحة ومدمجة في طريقة إدارة العمل نفسها، وليس كميزة إضافية يتم تقديمها عند الطلب.
ويمكن أن يكون وجود منصة واحدة تربط بين المطور والمقاول، وبين الموقع والمكتب، أحد الحلول العملية. فمن خلال العمل ضمن نظام موحد، يستطيع المطور والمقاول الوصول إلى وثائق المشروع في مكان واحد، مع وضوح أكبر حول المسؤوليات والتحديثات. ويمكن للمقاول رفع طلبات المعلومات، وأوامر التغيير، وطلبات التعديل مباشرة إلى المطور، مع إظهار أثرها على الجدول الزمني والميزانية في لحظة تقديمها. وبذلك، يستطيع المطور اتخاذ قرار الموافقة أو الرفض قبل تنفيذ الأعمال، مع توثيق كل قرار في وقته. وهذا ما يحول الرؤية إلى قدرة فعلية على التحكم.
وتعد تقنيات التوثيق البصري بزاوية 360 درجة مثالاً آخر على هذا التحول. فمن خلال جولة ميدانية باستخدام كاميرا مثبتة على الخوذة، يمكن تسجيل تقدم الأعمال يومياً أو أسبوعياً وربط الصور بالمخططات داخل المنصة نفسها. ويمنح ذلك المطور القدرة على متابعة الموقع من دون الحاجة إلى التواجد الفعلي المستمر. كما يتيح السجل البصري للطرفين مقارنة التقدم عبر الزمن واستعراض التفاصيل التي قد تصبح لاحقاً مخفية خلف الجدران أو التشطيبات، بما يقلل من احتمالات إعادة العمل أثناء التنفيذ، ويوفر مرجعاً دائماً للمطور في مرحلة التشغيل. وإذا ظهرت مشكلة لاحقاً خلال تشغيل الأصل، يمكن الرجوع إلى أي مرحلة من مراحل البناء لمعرفة كيفية تنفيذ العمل.
المقاولون العموميون الذين يستطيعون تقديم هذا المستوى من الشفافية يعالجون السبب الأساسي الذي يدفع بعض المطورين إلى التفكير في إدارة التنفيذ داخلياً. وهذه ليست مجرد ميزة تشغيلية، بل موقع تجاري أقوى في العلاقة مع المطور. ومن يدرك ذلك مبكراً سيكون أكثر قدرة على الحفاظ على ثقة العملاء واستمرارية العلاقة.
الخلاصة
يسعى المطورون في دبي إلى مستوى أعلى من السيطرة على مشاريعهم، وهذا توجه مفهوم في ظل حجم الاستثمارات والمخاطر المرتبطة بالتنفيذ. لكن السيطرة على عملية البناء لا تأتي من الملكية وحدها، بل من معرفة ما يحدث في المشروع في الوقت المناسب لاتخاذ القرار المناسب. وقد يكون التوجه نحو إدارة التنفيذ داخلياً أحد الطرق لتحقيق ذلك. كما يمكن تحقيق الهدف نفسه من خلال العمل مع مقاولين عموميين يدمجون الشفافية والرؤية التشغيلية في طريقة إدارة مشاريعهم. وفي الحالتين، لا يمكن تحقيق النتائج المرجوة من دون القدرة على رؤية ما يحدث في الموقع في وقت يسمح بالتأثير على مسار المشروع، مع توثيق كل تغيير وقرار عند حدوثه.
وعلى المطورين الذين يفكرون في هذا المسار أن يتعاملوا معه بخطة واضحة تغطي كامل نطاق ما يديره المقاول العام عادةً، من لوجستيات الموقع وإدارة المقاولين من الباطن إلى السلامة ومتابعة التغييرات. وفي المقابل، يحتاج المقاولون العموميون الذين يسعون للحفاظ على علاقاتهم مع المطورين إلى إثبات أن الشفافية ليست إضافة جانبية في طريقة عملهم، بل جزء أساسي من عرضهم وقيمتهم.
في النهاية، لا يدور النقاش حول إدارة التنفيذ داخلياً فقط حول من يملك عملية التسليم، بل حول من يمتلك القدرة على الوصول إلى الحقيقة الفعلية للمشروع في الوقت المناسب. فالمطورون يريدون رؤية مبكرة للمخاطر، والتقدم، وأثر التغييرات على التكلفة. أما المقاولون الذين يستطيعون توفير هذه الرؤية، مدعومة بتوثيق منظم وسجل موثوق لنشاط الموقع، فسيكونون في موقع أفضل للحفاظ على دورهم كشركاء تنفيذ موثوقين مع تطور السوق.
التعليقات مغلقة.