المستثمر يبدأ من ألف درهم
بقلم: د. علي الدكروري رائد أعمال ومستشار استراتيجي دولي في الاستثمار والتنمية الاقتصادية.
لسنوات طويلة ارتبطت قوة الإمارات الاستثمارية بالصناديق السيادية الكبرى، والمشروعات العملاقة، والاستثمارات العالمية الممتدة من آسيا إلى أوروبا وأمريكا.
لكن هناك تحولًا آخر أراه مهمًا جدًا على المدى الطويل، وقد يكون أقل ظهورًا في العناوين:
صناعة المستثمر الفرد داخل المجتمع نفسه.
إعلان وزارة المالية عن الإصدار الثاني من برنامج صكوك الخزينة الحكومية للأفراد بأجل خمس سنوات، وبحد أدنى للاكتتاب يبدأ من ألف درهم فقط، لا يمثل في رأيي مجرد طرح أداة مالية جديدة، بل يعكس توجهًا أوسع نحو جعل الاستثمار جزءًا طبيعيًا من الثقافة المالية للمواطن والمقيم.
من الادخار إلى الاستثمار
هناك فارق كبير بين أن يحتفظ الفرد بأمواله كمدخرات فقط، وبين أن يتعلم كيف يوزع جزءًا منها في أدوات استثمارية واضحة ومنظمة تتناسب مع قدرته على تحمل المخاطر وأهدافه المستقبلية.
والدولة التي تستطيع توسيع قاعدة المستثمرين لا تبني فقط سوقًا مالية أعمق، بل تساعد أيضًا على رفع مستوى الوعي المالي داخل المجتمع.
وهنا تأتي أهمية أن يبدأ الحد الأدنى للاكتتاب من ألف درهم.
فالرسالة ليست أن الاستثمار نشاط يخص أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة فقط، وإنما أنه يمكن أن يصبح سلوكًا ماليًا تدريجيًا يبدأ بمبالغ محدودة ويكبر مع المعرفة والخبرة.
الأرقام تكشف شيئًا أكبر
الإصدار الأول من الصكوك السيادية للأفراد جذب طلبات اكتتاب بقيمة 445 مليون درهم، أي ما يقارب تسعة أضعاف الحجم المستهدف في البداية والبالغ 50 مليون درهم، ما دفع إلى رفع حجم الإصدار إلى 100 مليون درهم.
لكن الرقم الأكثر أهمية في رأيي ليس إجمالي الأموال فقط.
فقد شكلت الاكتتابات بقيمة 10 آلاف درهم أو أقل نحو 76% من إجمالي الطلبات، فيما شكل المواطنون الإماراتيون 72% من قاعدة المستثمرين، وبلغت حصة الشباب دون 25 عامًا والنساء معًا نحو 45% من إجمالي المكتتبين.
هذه الأرقام تقول إن هناك شهية حقيقية للاستثمار لدى شريحة أوسع من المجتمع، وليس فقط لدى المستثمر المحترف.
وهذا ربما يكون أهم إنجاز في التجربة كلها.
السوق القوية تحتاج إلى مستثمر واعٍ
لا يمكن بناء سوق مالية متطورة فقط بزيادة عدد الشركات أو أحجام التداول.
السوق تحتاج أيضًا إلى مستثمر يفهم الفرق بين الادخار والاستثمار، وبين العائد والمخاطرة، وبين الاستثمار طويل الأجل والمضاربة قصيرة الأجل.
ومن هنا فإن المبادرات التي تجمع بين إتاحة أدوات استثمارية للأفراد ورفع الوعي المالي تصبح جزءًا من تطوير السوق نفسها.
ويتزامن الإصدار الثاني للصكوك مع تحركات أخرى داخل الإمارات لتعزيز الثقافة الاستثمارية، من بينها الجولة الرابعة من مسابقة الاستثمار والتداول التي أطلقها سوق أبوظبي للأوراق المالية و«الرمز كابيتال» بهدف تطوير المعرفة المالية وتشجيع الاستثمار طويل الأجل.
لماذا هذا مهم للاقتصاد؟
عندما يصبح الاستثمار جزءًا من الثقافة المالية للأسر، تتغير العلاقة بين المجتمع والسوق.
الفرد لا يعود مستهلكًا للخدمات المالية فقط، بل يصبح مساهمًا في حركة رأس المال.
ومع الوقت، يمكن أن تتجه نسبة أكبر من المدخرات إلى أدوات استثمارية وتمويلية منتجة، ما يساهم في تعميق الأسواق وتوسيع قاعدة المستثمرين وزيادة ارتباط المجتمع بالاقتصاد الحقيقي.
ومن المهم هنا التأكيد أن الهدف ليس دفع الجميع إلى المخاطرة، بل إتاحة خيارات واضحة ومنظمة ومفهومة، مع تعزيز الوعي الذي يساعد كل شخص على اختيار الأداة المناسبة له.
الصكوك السيادية للأفراد تقدم في هذا السياق أداة متوافقة مع الشريعة ومدعومة بالكامل من حكومة دولة الإمارات، مع توزيعات أرباح نصف سنوية وإمكانية التداول في السوق الثانوية بعد الإدراج. وسيتم الإعلان عن معدل ربح الإصدار الثاني في 22 سبتمبر 2026.
الاستثمار ثقافة قبل أن يكون رقمًا
أرى أن أحد عناصر قوة الاقتصاد الإماراتي خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط قدرته على جذب الاستثمارات الأجنبية أو إدارة الأصول العالمية، بل أيضًا قدرته على توسيع قاعدة المستثمرين داخل المجتمع.
فالطفل الذي يتعلم معنى الادخار، والشاب الذي يبدأ باستثمار محدود، والأسرة التي تفهم كيفية توزيع أموالها بين السيولة والادخار والاستثمار، كلها عناصر تصنع مجتمعًا أكثر وعيًا ماليًا.
وهذه الثقافة لا تظهر آثارها خلال شهر أو عام.
لكنها، مع الوقت، تبني قاعدة مالية أكثر عمقًا واستدامة.
خلاصة الدكروري
الدولة التي تنجح في جذب المستثمر العالمي تحقق إنجازًا مهمًا، لكن الدولة التي تنجح أيضًا في صناعة جيل من المستثمرين داخل مجتمعها تبني قاعدة مالية أكثر قوة واستدامة.
وربما تكون القيمة الحقيقية للصكوك السيادية للأفراد أكبر من حجم الأموال التي تجمعها، لأنها تساعد على تحويل الادخار من مال ينتظر المستقبل إلى رأس مال يشارك في بنائه.
التعليقات مغلقة.