خبراء بـ«الكلمة بتفرق»: الصحة النفسية قضية أمن قومي.. ومطالب بتوسيع الخدمات وتشريع يجرّم الاستشارات غير المتخصصة

أكد خبراء ومتخصصون في الطب النفسي ومؤسسات المجتمع المدني أن الصحة النفسية لم تعد مجرد قضية طبية، بل أصبحت أحد مكونات الأمن القومي، محذرين من اتساع الفجوة بين الاحتياجات الفعلية للمواطنين والخدمات المتاحة، في ظل نقص أعداد المتخصصين، وضعف انتشار الخدمات خارج القاهرة، وغياب تشريعات تنظم تقديم الاستشارات النفسية عبر المنصات الرقمية.

جاء ذلك خلال الجلسة الرابعة من مؤتمر “الكلمة بتفرق”، التي عقدت تحت عنوان “خارطة خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي في مصر”، بمشاركة نخبة من الخبراء وممثلي مؤسسات المجتمع المدني، حيث ناقشوا واقع خدمات الصحة النفسية، وآليات تطويرها، ودور الإعلام في توجيه المواطنين إلى جهات الدعم المعتمدة.

وأدار الجلسة الأخصائي النفسي وصانع المحتوى مايكل ملاك، بمشاركة الدكتورة إيمان جابر، استشاري الطب النفسي ونائب رئيس الإدارة المركزية للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان بوزارة الصحة والسكان، والدكتور نبيل القط استشاري الطب النفسي، وأيمن سبيع رئيس مجلس إدارة مؤسسة شمسية.

د. نبيل القط: واحد من كل أربعة قد يصاب باضطراب نفسي

أطلق الدكتور نبيل القط تحذيرًا من اتساع حجم الاحتياج إلى خدمات الصحة النفسية، مؤكدًا أن واحدًا من كل أربعة أشخاص قد يتعرض لاضطراب نفسي خلال مرحلة من حياته، بينما لا يحصل عدد كبير منهم على العلاج المناسب.

وأشار إلى أن عدد الأطباء النفسيين في مصر لا يزال أقل من ألف طبيب، بمعدل طبيب واحد تقريبًا لكل 120 ألف مواطن، وهو ما يفرض تحديات كبيرة أمام توفير خدمات علاجية متخصصة لجميع المحتاجين.

وأكد أن الأزمة لا ترتبط فقط بنقص الكوادر، وإنما أيضًا بتركز الخدمات في مناطق محدودة، وضعف انتشارها في المحافظات، وقلة الجمعيات الأهلية العاملة في هذا المجال، مشددًا على أن التكامل بين الدولة والمجتمع المدني أصبح ضرورة وليس رفاهية.

ووصف القط الصحة النفسية بأنها “قضية أمن قومي”، داعيًا إلى إطلاق المزيد من المبادرات الوطنية لدعم هذا القطاع، على غرار المبادرات التي شهدها قطاع الرعاية الصحية خلال السنوات الماضية.

د. إيمان جابر: لا بد من تشريع يمنع غير المختصين من تقديم العلاج النفسي

من جانبها، أكدت الدكتورة إيمان جابر أن التوسع في الحديث عن الصحة النفسية عبر الإنترنت يجب أن يواكبه إطار قانوني واضح يحمي المواطنين من الممارسات غير المهنية.

وشددت على ضرورة إصدار تشريعات تنظم ممارسة الاستشارات النفسية، وتمنع غير المختصين من تقديمها، نظرًا لما قد يترتب على ذلك من أضرار مباشرة على المرضى.

وأوضحت أن الطبيب النفسي المؤهل يجب أن يكون حاصلًا على درجة الماجستير على الأقل، مشيرة إلى أن عدد المتخصصين المؤهلين لا يزال محدودًا، في الوقت الذي يغادر فيه عدد من الأطباء البلاد بعد انتهاء فترة تدريبهم.

كما استعرضت منظومة خدمات الأمانة العامة للصحة النفسية، موضحة أن المواطنين يمكنهم الاستفادة من المنصة الوطنية للصحة النفسية، التي تتيح حجز جلسات مع الأطباء والأخصائيين، بالإضافة إلى الخط الساخن الذي يقدم الإرشاد والدعم الفوري وخدمات الطوارئ.

وأكدت أن القانون المصري يضع ضوابط واضحة لدخول المستشفيات النفسية والخروج منها، بما يضمن حماية حقوق المرضى ومنع إساءة استخدام إجراءات العلاج الإلزامي.

أيمن سبيع: “الناصح” يساعد المواطنين في الوصول إلى الخدمات

بدوره، استعرض أيمن سبيع تجربة مؤسسة شمسية في دعم الصحة النفسية، موضحًا أن المؤسسة تعمل على تصميم برامج تستجيب للاحتياجات الفعلية للمواطنين من خلال الاستماع إلى أصحاب الخبرات والفئات المستفيدة.

وأشار إلى أن المؤسسة تقدم خدمات صحية صديقة للمرأة، وبرامج متخصصة لمواجهة العنف القائم على النوع الاجتماعي، إلى جانب مشروع “الناصح” الذي يهدف إلى تعريف المواطنين بالخدمات الصحية المتاحة، ومساعدتهم على الوصول إليها باعتبارها حقًا دستوريًا.

وأضاف أن المشروع يسهم في تجاوز العقبات التي تواجه المواطنين، سواء المتعلقة بضعف المعرفة بالخدمات أو التعقيدات الإدارية، مؤكدًا أن المحافظات البعيدة عن القاهرة لا تزال بحاجة إلى توسع كبير في خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي.

الإعلام شريك في بناء الوعي

واتفق المشاركون على أن وسائل الإعلام تتحمل مسؤولية محورية في تصحيح المفاهيم المرتبطة بالصحة النفسية، وتوجيه المواطنين إلى الجهات الرسمية والمتخصصة، بدلًا من ترك المجال للمعلومات غير الدقيقة أو الاستشارات غير المؤهلة المنتشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وأكد الدكتور نبيل القط أن الأعمال الدرامية والإعلامية تمتلك تأثيرًا واسعًا في تشكيل وعي المجتمع، داعيًا إلى تعاون أكبر بين المؤسسات الإعلامية، والأمانة العامة للصحة النفسية، والنقابات المهنية، لضمان تقديم صورة علمية ومسؤولة عن الاضطرابات النفسية وطرق علاجها.

من جانبه، أشار أيمن سبيع إلى أن من أبرز التطورات الإيجابية خلال السنوات الأخيرة زيادة اعتماد المؤسسات الإعلامية على المختصين والاستشاريين عند إعداد المحتوى، معتبرًا أن الإشراف العلمي يمثل خطوة أساسية نحو خطاب إعلامي أكثر دقة وتأثيرًا.

ويُنظم مؤتمر “الكلمة بتفرق” مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (CEDEJ)، بالتعاون مع المعهد الفرنسي في مصر ومهرجان MedFest Egypt، بهدف تعزيز الحوار بين الإعلاميين والمتخصصين، ودعم تطوير خطاب إعلامي أكثر وعيًا وإنسانية تجاه قضايا الصحة النفسية وتمكين المرأة.

التعليقات مغلقة.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com