17 آب… وطنٌ لم أسمّه يومًا بلدي الثاني

بقلم: أكرم مندامي زين الدين، مستشار وخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية

كلما اقترب السابع عشر من آب، أشعر بفرحة تبدأ عندي قبل العيد بيوم، كأن الذاكرة تعرف موعدها قبل أن تنظر العين إلى الروزنامة. إنه عيد استقلال الغابون، لكنه بالنسبة إليّ لم يكن يومًا مجرد مناسبة وطنية في بلد عشت وعملت فيه. وكلما حاولت أن أقول عن الغابون إنها «بلدي الثاني»، أشعر بأن العبارة لا تشبهني. لم أشعر يومًا أنها بلدي الثاني. كانت بلدي.

 

 

 

لم أعش 17 آب 1960، ولم أكن شاهدًا على انتقال الغابون من زمن الاستعمار الفرنسي إلى الاستقلال وبناء الدولة، لكنني عشت ذلك اليوم من خلال أمي، منغي مندامي جوزفين، التي كانت تروي لي ذكريات تلك المرحلة وتفاصيلها، حتى أصبحت بعض صورها في ذاكرتي كأنني كنت حاضرًا فيها. كانت مرحلة ولادة بلد ودولة ومؤسسات، في ظروف لم تكن سهلة، وفي زمن كان على الغابون أن تبدأ الإمساك بمصيرها ومقدراتها بيديها.

 

ومن جوزفين تعلمت أن الوطن لا تختصره الحدود ولا المؤسسات، بل الناس. أجمل ما بقي لي من الغابون ليس المناصب التي شغلتها، ولا المكاتب التي دخلتها، ولا المشاريع التي شاركت فيها، على أهميتها في مسيرتي؛ أجمل ما بقي هو الوجوه التي انطبعت في نفسي: أهلي الذين ما زالوا هناك، والذين رحلوا عن الدنيا لكنهم لم يرحلوا عني، والذين بقوا وما زالت المسافة بيننا تُهزم بصوت يأتي عبر الهاتف.

 

عشت في الغابون، وعملت فيها، وكبرت فيها تجربتي وعائلتي وأولادي. كنت قريبًا من الدولة ومؤسساتها، ثم من مشاريع التنمية والاستثمار والبنية الاقتصادية. وعندما كان يصيب الغابون خير كنت أفرح، وعندما كانت تمر بظرف صعب كنت أتأثر؛ لأن الإنسان لا يحتاج إلى تفسير خوفه على بيته.

 

وفي الشعب الغابوني وجدت دائمًا ذلك التعلق العميق بالأرض. قد يسافر الغابوني ويتعلم ويعمل بعيدًا، لكنه يبقى مشدودًا إلى بلده بخيط يصعب قطعه. وما أسعدني أن أكتشف أن هذا الخيط لم يعد يربطني وحدي بالغابون، بل انتقل إلى أولادي.

 

فقد تربوا، والحمد لله، كما تربيت أنا، على حب الغابون. وعندما أخبرتهم، قبل انتقالنا إلى دبي بوقت ليس ببعيد، أننا سنغادر ونبدأ مرحلة جديدة، جاءني سؤال لم أتوقعه:

 

 

 

«طيب… وإذا رجعنا إلى الغابون، أين سنسكن؟»

توقفت أمام السؤال. فهمت أنهم لا يسألون عن مسكن فقط، بل عما إذا كان سيبقى لهم مكان يعودون إليه في الغابون.

احتفظت بالسؤال في داخلي.

ولم يطل الوقت حتى أجبتهم.

لكنني لم أقل لهم الجواب… بنيته.

بدأت سرًا ببناء بيت لهم في الغابون، لكل واحد منهم شقتان. وقبل عيد الاستقلال بنحو أسبوع طلبت منهم الحضور بحجة تجديد جوازات سفرهم. لم يعرفوا شيئًا.

 

وفي 17 آب خرجنا للاحتفال وزيارة أصدقاء نعتبرهم من أهلنا. حضرت الكعكة والمشروبات، وكان علم الغابون معنا. وفي الطريق بدأ أولادي يلاحظون أننا نسلك طريقًا غير مألوف. تركتهم يسألون، وتركت الطريق يجيب عني.

وصلنا إلى بناء لم يكتمل بعد. كان الطابق الأول قائمًا والثاني لا يزال قيد الإنشاء. أخذوا ينظرون إليّ وإلى الجدران، حتى فهموا:

هذا بيتهم. في الغابون.

في تلك اللحظة لم أرَ إسمنتًا وحديدًا. رأيت جوابًا عن سؤال أولادي. أصبح لهم عنوان ثابت في البلد الذي أحبوه وكبروا فيه.

 

إذا عدتم إلى الغابون، فهذا بيتكم.

وكان للبيت تفصيل أردته أن يحمل معنى أكبر. فهو قريب من مسار الطائرات القادمة إلى مطار ليبرفيل والمغادرة منه، ولذلك وضعت على سطحه علم الغابون. أردته أن يُرى من السماء.

ربما يعود أحد أولادي يومًا فيرى العلم من نافذة الطائرة قبل أن يرى الجدران.

وهكذا امتد خيط غريب وجميل في حياتي: من جوزفين التي نقلت إليّ ذاكرة استقلال 1960، إلى سنوات عمري في الغابون، ثم إلى أولادي، وصولًا إلى علم غابوني فوق بيتهم.

لهذا لا أريد في عيد الاستقلال تهنئة بروتوكولية. أريد أن أشكر بلدًا أعطاني أهلًا وذكريات وعمرًا من العمل، وأرضًا كبر عليها أولادي فأحبوها من دون أن أطلب منهم ذلك.

وكل عام وأنتم بخير… أبام، نغوا مبا، ولكا، مرمبا، بيكالي، جوزفين، بيار كلافير، مارك، أوليفييه، فدي، أفايون… واللائحة طويلة، وطويلة جدًا.

لم تخنّي الذاكرة في ذكر الأسماء، لكن اللائحة أطول من أن تتسع لها السطور؛ طويلة بحجم الوجوه والسنين والذكريات والوفاء… بحجم حبّي لهذا الوطن.

وفي 17 آب، عندما ترتفع أعلام الغابون، سيكون هناك علم فوق بيت أولادي يذكرني بحقيقة لم تتغير:

الغابون لم تكن يومًا بلدي الثاني… كانت، وما زالت، بلدي.

🇬🇦 Bonne fête de l’Indépendance au Gabon

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com