سد النهضة.. تحرك دولي لدعم الأمن المائي المصري ووساطات مرتقبة لكسر جمود المفاوضات
اجرته\ رباب سعيد مراسلة مجلة استثمارات الإماراتية شؤون مصر وشمال إفريقيا
دخل ملف سد النهضة الإثيوبي مرحلة جديدة من الحراك الدبلوماسي، مع إعلان إيطاليا استعدادها لاستخدام علاقاتها الجيدة مع إثيوبيا للمساعدة في تقريب وجهات النظر بينها وبين مصر، بالتزامن مع مواقف صينية داعمة لحق القاهرة في أمنها المائي، وتحركات أميركية سابقة لإعادة إطلاق المفاوضات، في مؤشر على اتساع دائرة الاهتمام الدولي بالأزمة.
ويأتي الحراك الجديد في وقت تؤكد فيه القاهرة أن قضية الأمن المائي تمثل أولوية استراتيجية، وأن التوصل إلى اتفاق قانوني وملزم بشأن تشغيل وإدارة سد النهضة يظل المسار الأساسي لتسوية الخلاف، بما يحفظ حقوق دولتي المصب، مصر والسودان، ويضمن في الوقت ذاته حق إثيوبيا في التنمية.
إيطاليا تعرض الوساطة
برز الدور الإيطالي مؤخراً مع إعلان وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني استعداد بلاده للاستفادة من علاقاتها مع إثيوبيا للمساعدة في التوصل إلى حل لأزمة المياه مع مصر، وتيسير الحوار بين القاهرة وأديس أبابا خلال الأسابيع المقبلة، حال موافقة الطرفين.
ويكتسب الطرح الإيطالي أهمية خاصة في ظل العلاقات التي تربط روما بأديس أبابا، بما قد يمنح إيطاليا مساحة للتحرك الدبلوماسي وفتح قنوات اتصال جديدة بشأن ملف سد النهضة، الذي تعثرت مفاوضاته لسنوات.
وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال مباحثاته مع نظيره الإيطالي في القاهرة، أهمية الالتزام الكامل بقواعد القانون الدولي، وفي مقدمتها عدم التسبب في ضرر للدول الأخرى ورفض الإجراءات الأحادية، مشدداً على أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه الأصدقاء والشركاء الدوليون في دعم الأمن المائي المصري.
دعم صيني وتحرك أميركي
ولا يقتصر الحراك الدولي على روما، إذ يأتي التحرك الإيطالي بعد تأكيد الصين دعمها لحق مصر في أمنها المائي، وتشديدها على أهمية الالتزام بالقانون الدولي من جانب دول حوض النيل، وذلك بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة.
كما سبقت ذلك تحركات أميركية لإعادة ملف سد النهضة إلى طاولة المفاوضات، بعدما عرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يناير الماضي استعداد واشنطن لاستئناف المفاوضات بين مصر وإثيوبيا بهدف الوصول إلى حل نهائي وعادل للأزمة.
ويعكس تزامن هذه التحركات من قوى دولية مختلفة تنامي الاهتمام بملف النيل، ليس باعتباره خلافاً بين دولتين فحسب، وإنما باعتباره ملفاً يرتبط بالأمن والاستقرار الإقليميين ومصالح دول حوض النيل.
القاهرة تراهن على الأصدقاء
وتعول القاهرة على توظيف علاقاتها الدولية الواسعة في دعم موقفها التفاوضي، خصوصاً في ظل تمسكها بضرورة التوصل إلى اتفاق شامل وملزم يحدد قواعد ملء وتشغيل السد، ويضمن عدم الإضرار بحقوق مصر والسودان المائية.
ويرى خبراء أن دخول أطراف دولية ذات علاقات قوية مع إثيوبيا على خط الأزمة يمكن أن يساهم في توفير زخم جديد للمفاوضات، شريطة أن تركز الوساطات على تقريب المواقف وليس الانحياز إلى أي طرف.
ويؤكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية محمد حجازي أن أزمة النيل لم تعد قضية ثنائية يمكن أن تبقى رهينة الجمود أو سياسة الأمر الواقع، وإنما تحولت إلى قضية استقرار إقليمي تستدعي تحركاً مسؤولاً من القوى الصديقة والشركاء الدوليين.
وبحسب حجازي، فإن الدور المطلوب من هذه الأطراف يتمثل في مساعدة الدول الثلاث على إدراك أن التوصل إلى اتفاق عادل يمثل مكسباً للجميع، مع الدفع نحو استئناف مفاوضات جادة تستند إلى ما تم إنجازه خلال الجولات السابقة، بدلاً من البدء من نقطة الصفر.
وساطة أم حوافز اقتصادية؟
من جانبه، يرى نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية السفير صلاح حليمة أن التحركات الإيطالية والصينية والأميركية تشير إلى وجود اهتمام دولي متزايد بضرورة الوصول إلى تسوية شاملة لأزمة سد النهضة.
وأوضح أن الوساطة يمكن أن تأخذ أشكالاً متعددة، سواء عبر تحركات فردية أو جماعية أو من خلال تنسيق مشترك بين عدد من الأطراف، بهدف التواصل مع مصر وإثيوبيا والسودان ودفعها نحو استئناف الحوار.
كما يبرز في هذا السياق احتمال استخدام الحوافز الاقتصادية والاستثمارية لتشجيع إثيوبيا على إبداء قدر أكبر من المرونة، خصوصاً مع وجود مصالح اقتصادية واستثمارية لكل من الصين وإيطاليا في المنطقة، إلا أن هذا المسار يظل مرتبطاً برؤية كل دولة وطبيعة تحركاتها الدبلوماسية.
مفاوضات معلقة وتصعيد مصري
وتأتي التحركات الدولية في ظل استمرار الجمود في مفاوضات سد النهضة، بعد جولات متكررة لم تنجح في التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن قواعد ملء وتشغيل السد.
وتتمسك إثيوبيا بحقها في استغلال مواردها المائية لأغراض التنمية، مؤكدة أن السد لا يستهدف الإضرار بمصر والسودان، بينما ترى القاهرة أن أي إدارة أحادية للموارد المائية العابرة للحدود تمثل تهديداً لأمنها المائي.
وفي المقابل، صعّدت مصر في الأشهر الأخيرة من لهجتها بشأن الملف، مؤكدة أن المياه قضية أمن قومي، مع تلويح وزير الخارجية المصري بإمكانية اللجوء إلى حق الدفاع الشرعي في مواجهة أي تطورات تهدد الأمن المائي المصري.
من أزمة مياه إلى ملف استقرار إقليمي
ويشير الحراك الدولي المتزايد إلى أن أزمة سد النهضة باتت تتجاوز الإطار الفني المرتبط بإدارة المياه، لتصبح ملفاً دبلوماسياً واستراتيجياً تتقاطع فيه اعتبارات الأمن المائي والتنمية والاستقرار الإقليمي.
ويبقى التحدي الأساسي أمام أي تحرك دولي هو إقناع الأطراف الثلاثة بالعودة إلى طاولة المفاوضات على أساس قواعد واضحة وملزمة، بما يحقق التوازن بين حق إثيوبيا في التنمية وحقوق مصر والسودان المائية.
وفي ظل تباعد مواقف القاهرة وأديس أبابا، تبدو الوساطات الدولية الجديدة أمام اختبار حقيقي: هل تنجح علاقات الأصدقاء والشركاء الدوليين في كسر جمود سد النهضة وتحويل النيل من مصدر للتوتر إلى مساحة للتعاون؟
التعليقات مغلقة.