الإمارات تصنع اقتصاد المستقبل.. من تنويع الموارد إلى قيادة نمو المنطقة
أجرته: رباب سعيد – مراسلة مجلة استثمارات الإماراتية لشؤون مصر وشمال إفريقيا

لم تعد تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في تنويع اقتصادها مجرد مسار لتقليص الاعتماد على النفط، وإنما تحولت إلى نموذج اقتصادي متكامل يعيد تعريف مصادر النمو والقيمة في المنطقة، مستنداً إلى مزيج من التجارة العالمية، والبنية التحتية واللوجستيات، والتصنيع، والاستثمار، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وخلال السنوات الماضية، انتقلت الإمارات تدريجياً من توظيف موقعها الجغرافي كمركز رئيسي لحركة التجارة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، إلى بناء منظومة اقتصادية أكثر تعقيداً تستهدف الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة داخل الاقتصاد الوطني، عبر توطين الصناعة وتعميق سلاسل التوريد المحلية واستقطاب الاستثمارات النوعية وتطوير قطاعات المستقبل
وتكشف أحدث المؤشرات الاقتصادية عن عمق هذا التحول؛ إذ ارتفعت مساهمة القطاعات غير النفطية إلى79.4% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال الربع الأول من عام 2026 فيما سجل الاقتصاد غير النفطي نمواً بلغ 4.8% في مؤشر على أن القطاعات غير النفطية أصبحت المحرك الرئيسي للنمو المستدام وليست مجرد مكوّن مكمل للاقتصاد
وبلغ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للدولة بالأسعار الثابتة نحو 485 مليار درهم خلال الربع الأول من العام، بينما تصدرت الأنشطة المالية والتأمين القطاعات
الأسرع نمواً بنسبة 17.3% تلاها قطاع التشييد والبناء بنسبة 8.1% ثم قطاع المعلومات والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بنمو بلغ 5.9%
ولا ينفصل هذا الأداء عن استراتيجية أوسع لتعزيز موقع الإمارات في الاقتصاد العالمي؛ فقد بلغت قيمة التجارة الخارجية غير النفطية 1.937 تريليون درهم خلال النصف الأول من 2026، بنمو 13.1% على أساس سنوي، فيما سجلت الصادرات غير النفطية نحو 452.8 مليار درهم مدعومة بتوسع شبكة اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة التي وصلت إلى 38 اتفاقية مع أسواق عالمية رئيسية
وفي موازاة ذلك، عززت الإمارات قدرتها على جذب رؤوس الأموال العالمية، بعدما حلت في المرتبة التاسعة عالمياً بين أكبر متلقي الاستثمار الأجنبي المباشر، باستقطاب 177.3 مليار درهم (48.3 مليار دولار) خلال 2025 وهو أعلى مستوى في تاريخ الدولة للسنة الرابعة على التوالي. وتوزعت التدفقات على قطاعات استراتيجية، في مقدمتها التصنيع بنسبة 30% والاتصالات والتقنيات المتقدمة بنسبة %29
ويكتسب هذا التحول بعداً إضافياً مع تسارع توجه الدولة نحو الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتطوير البنية التحتية للحوسبة والتقنيات الناشئة، بما يعزز مكانة الإمارات كمركز إقليمي للحلول الرقمية ومنصة عالمية لاستثمارات التكنولوجيا المتقدمة
وفي قلب هذه المعادلة، تبرز استراتيجية نحن الإمارات 2031 التي تستهدف مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي، ورفع التجارة الخارجية غير النفطية إلى 4 تريليونات درهم وزيادة التدفقات السنوية للاستثمار الأجنبي المباشر إلى 240 مليار درهم (65 مليار دولار) بحلول عام 2031
لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بحجم النمو، وإنما بكيفية تحويل المزايا الجغرافية والتجارية والمالية التي تمتلكها الإمارات إلى قيمة مضافة محلية ومستدامة. وهنا تتقاطع قوة الموانئ والمطارات والخدمات اللوجستية مع سياسات توطين الصناعة، ومشروع300 مليار والاستثمار في التكنولوجيا وسلاسل التوريد، لتنتقل الإمارات من دور مركز العبور والتجارة إلى دور أكثر تأثيراً في منظومة الإنتاج العالمية

جمال الجروان: الإمارات لا تريد أن تكون ممراً للتجارة.. بل قوة عالمية لصناعة القيمة
( الإمارات تحوّل موقعها اللوجستي إلى قوة صناعية واستثمارية مستدامة)
يرى جمال الجروان، الأمين العام الأسبق لمجلس الإمارات للمستثمرين بالخارج أن جوهر التجربة الإماراتية لا يكمن فقط في امتلاك بنية تحتية لوجستية متقدمة أو موقع جغرافي استثنائي، وإنما في قدرة الدولة على تحويل هذه المزايا إلى قيمة اقتصادية وصناعية واستثمارية مستدامة.
ويقول الجروان (لمجلة استثمارات الإماراتية ) أن الإمارات لا تنظر إلى الموانئ والخدمات اللوجستية باعتبارها مجرد بنية تحتية لنقل البضائع، وإنما باعتبارها منصة متكاملة تربط بين الإنتاج والتجارة والاستثمار. فالموقع الجغرافي للدولة، إلى جانب شبكة الموانئ والمطارات والمناطق الحرة، جعل الإمارات نقطة ربط حيوية
بين أسواق آسيا وأفريقيا وأوروبا، فيما أسهم توسع الشركات الإماراتية عالمياً في ترسيخ حضور الدولة ضمن سلاسل الإمداد والتجارة الدولية
ويضيف أن المرحلة الجديدة من التحول الاقتصادي تتمثل في الانتقال من مجرد الاستفادة من حركة التجارة إلى المشاركة في إنتاجها وإضافة القيمة إليهاموضحاً الهدف لم يعد أن تمر السلع عبر الإمارات فقط، وإنما أن يتم تصنيع جزء أكبر من المنتجات ومكوناتها داخل الدولة، وهو ما يفسر التركيز المتزايد على توطين الصناعة، وجذب الصناعات المتقدمة، وتطوير سلاسل التوريد المحلية، وتشجيع الشركات على الاعتماد على المنتجات والخدمات الإماراتية.
ويؤكد الجروان أن زيادة المكوّن المحلي تعني الاحتفاظ بنسبة أكبر من القيمة المضافة ورأس المال والوظائف والمعرفة والتكنولوجيا داخل الاقتصاد الوطني، قائلاً: كلما ارتفعت نسبة المكوّن المحلي، ارتفعت القيمة المضافة، وتعمّقت سلاسل التوريد الوطنية، وانخفضت حساسية الاقتصاد للصدمات الخارجية
ويرى أن مشروع 300 مليار يمثل أحد الأطر الاستراتيجية الرئيسية لهذا التحول، باعتباره يستهدف رفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي من نحو133 مليار درهم إلى 300 مليار درهم بحلول عام 2031، بما يعكس توجه الإمارات نحو بناء قاعدة صناعية أكثر عمقاً وقدرة على المنافسة إقليمياً وعالمياً.
ويتابع: نحن أمام انتقال تدريجي من اقتصاد يتمتع بموقع تجاري ولوجستي استثنائي إلى اقتصاد يجمع بين التجارة واللوجستيات والتصنيع والتكنولوجيا. وهذه المعادلة تمنح الإمارات قدرة أكبر على استقطاب الاستثمارات النوعية، ليس فقط في قطاعات النقل والتجارة، وإنما أيضاً في الصناعات المتقدمة والتكنولوجيا والخدمات المرتبطة بها
ويختتم الجروان بالقول: الإمارات لا تريد أن تكون فقط ممراً للبضائع بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، بل تريد أن تكون جزءاً من عملية إنتاج هذه البضائع وإضافة القيمة إليها. ومن هنا تتكامل قوة الموانئ والخدمات اللوجستية مع مشروع 300 مليار وتوطين الصناعة، بحيث تتحول الميزة الجغرافية للإمارات إلى ميزة صناعية واستثمارية مستدامة، وتصبح الدولة نموذجاً لاقتصاد غير نفطي قادر على إعادة تشكيل محركات النمو في المنطقة

د. ياسين العلي: الإمارات تتحول من بوابة للتجارة إلى منصة عالمية لصناعة القيمة
(الإمارات تنتقل من اقتصاد يستفيد من حركة التجارة العالمية إلى اقتصاد يشارك في صناعة قيمتها ويقود جزءاً من اقتصاد المستقبل)
( الإمارات تحوّل الانفتاح التجاري إلى منظومة متكاملة لصناعة القيمة واقتصاد المستقبل)
يؤكد الدكتور ياسين العلي، الباحث والخبير الاقتصادي والرئيس التنفيذي لشركة إدامة (لمجلة استثمارات الإماراتية )أن التجربة الإماراتية في التنويع الاقتصادي تجاوزت مفهوم الانفتاح التجاري التقليدي، لتنتقل إلى بناء منظومة متكاملة تربط التجارة بالاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا، بما يعزز قدرة الدولة على صناعة القيمة وليس فقط تداولها.
ويقول العلي الإمارات لم تعد تتعامل مع الانفتاح التجاري باعتباره وسيلة لزيادة حركة السلع فقط، وإنما باعتباره أداة استراتيجية لإعادة تشكيل موقعها في الاقتصاد العالمي. واتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة فتحت أمام الشركات العاملة في الدولة أسواقاً واسعة، لكنها في الوقت نفسه رفعت جدوى اتخاذ الإمارات قاعدة للإنتاج والخدمات والتوسع في الأسواق الدولية
ويضيف القيمة الحقيقية لهذه الاتفاقيات لا تكمن فقط في خفض الرسوم الجمركية، وإنما في ما تتيحه من نفاذ إلى الأسواق والخدمات والاستثمار، وتبسيط الإجراءات وقواعد المنشأ، بما يجعل التجارة والاستثمار والإنتاج حلقات مترابطة في منظومة واحدة لصناعة القيمة
ويشير إلى أن الأرقام تعكس عمق هذا التحول، إذ بلغت التجارة الخارجية غير النفطية 2.997 تريليون درهم في 2024 فيما وصلت الصادرات غير النفطية إلى 561.2 مليار درهم بنمو 27.6% بينما ارتفعت الصادرات إلى الدول المشمولة باتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة إلى 135 مليار درهم بنمو42.3% وفي النصف الأول من 2026، سجلت التجارة الخارجية غير النفطية 1.937 تريليون درهم بينما بلغت الصادرات غير النفطية 452.8 مليار درهم
ويرى العلي أن المغزى الأهم من هذه الأرقام هو أن التجارة أصبحت جزءاً من منظومة أوسع تستهدف زيادة الإنتاج والقيمة المضافة داخل الاقتصاد الإماراتي، مع استمرار الدور المهم لإعادة التصدير، وهو ما يعكس تطور الدولة من مركز تجاري إلى منصة متكاملة للإنتاج والتوزيع والخدمات
ويؤكد أن قوة الانفتاح التجاري لا يمكن فصلها عن البنية التحتية التي تستند إليها، قائلاً الموانئ والمطارات والمناطق الاقتصادية والخدمات اللوجستية والأنظمة الجمركية الرقمية والخدمات المالية لم تعد عناصر منفصلة، بل أصبحت جزءاً من بنية واحدة لإدارة التدفقات التجارية وسلاسل التوريد العالمية. وهنا تتحول ميزة الموقع الجغرافي من مجرد نقطة عبور إلى قدرة اقتصادية قابلة للتوسع والتراكم
وفي ما يتعلق بالاستثمار الأجنبي، يرى العلي أن التحدي لم يعد جذب رأس المال فقط، وإنما جذب رأس المال الذي يضيف قدرة جديدة للاقتصاد، سواء في التكنولوجيا أو التصنيع أو الخدمات المتقدمة أو الطاقة مشيراً إلى استقطاب الإمارات 177.3 مليار درهم من الاستثمار الأجنبي المباشر خلال 2025 وتقدمها إلى المرتبة التاسعة عالمياً في التدفقات الواردة، إلى جانب تسجيل1,562 مشروعاً جديداً للاستثمار الأجنبي
ويضيف التحول الأكثر أهمية هو انتقال الإمارات من منافسة الدول على رأس المال إلى بناء البيئة التي تجعل رأس المال يريد أن يبني فيها أصولاً جديدة. وهذا فارق جوهري؛ لأن الاستثمار الذي ينشئ معرفة وتقنية وبنية تحتية وقدرات إنتاجية يرفع تنافسية الاقتصاد على المدى الطويل
ويربط العلي ذلك بالتوجه الإماراتي نحو الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة ومراكز البيانات، قائلاً: اقتصاد المستقبل لا يُبنى فقط باستقطاب شركات التكنولوجيا، وإنما ببناء السوق والبنية التحتية والبيئة التنظيمية التي تمكن هذه الشركات من النمو. ولذلك فإن الاستثمار في الحوسبة والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والطاقة النظيفة يمثل استثماراً في القدرة الإنتاجية المستقبلية للاقتصاد
ويشير إلى أن هذا المسار يتكامل مع تطوير منظومة الطاقة والبنية التحتية، موضحاً أن الطاقة النظيفة لم تعد ملفاً بيئياً منفصلاً عن الاقتصاد، بل أصبحت أحد شروط القدرة على بناء اقتصاد رقمي وصناعي تنافسي، خصوصاً مع التوسع المتسارع في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة
ويختتم الدكتور ياسين العلي بقوله القوة الحقيقية للنموذج الإماراتي أنه لم يكتفِ باستثمار ما يمتلكه من موقع جغرافي ورأس مال وانفتاح على العالم، بل حوّل هذه المزايا إلى قدرات اقتصادية قابلة للتراكم. ففتح الأسواق يوسع جدوى الإنتاج، واللوجستيات تحول النفاذ التجاري إلى قدرة فعلية، والبيئة المؤسسية تستقطب رأس المال، والاستثمار النوعي يبني التكنولوجيا والطاقة والقدرات الجديدة؛ وبذلك تنتقل الإمارات من اقتصاد يستفيد من حركة التجارة العالمية إلى اقتصاد يشارك في صناعة قيمتها ويقود جزءاً من اقتصاد المستقبل

مصطفى هاشم: الإمارات تبني بنية تحتية متكاملة لتصبح منصة عالمية للذكاء الاصطناعي
قال مصطفى هاشم، الخبير الإعلامي المقيم في واشنطن (لمجلة استثمارات الإماراتية ) إن المنافسة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي لم تعد تقتصر على تطوير البرمجيات والخوارزميات، وإنما تحولت بصورة متزايدة إلى سباق على البنية التحتية ومراكز البيانات والطاقة، باعتبارها الركائز الأساسية التي تحدد قدرة الدول والشركات على تطوير وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
وأوضح أن مراكز البيانات العملاقة تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء، إلى جانب منظومات تبريد متقدمة، وهو ما يجعل توافر الطاقة والبنية التحتية الرقمية عاملاً حاسماً في تحديد قدرة أي دولة على بناء اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي.
وأضاف أن الإمارات تبدو مدركة مبكراً لهذا التحول، وهو ما يفسر توجهها خلال السنوات الماضية إلى بناء شراكات دولية واستثمارات بمليارات الدولارات، إلى جانب إنشاء صناديق استثمارية متخصصة وإطلاق مشروعات ضخمة بالتعاون مع كبرى شركات التكنولوجيا العالمية، بما يعزز قدرتها على استقطاب الاستثمارات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي
وأشار هاشم إلى أن هذا التوجه يتكامل مع تطوير بيئة الأعمال والتشريعات التي تمنح المستثمرين والشركات درجة أكبر من الاستقرار والمرونة، ومن بينها سياسات التملك الحر والإقامات طويلة الأجل، بما يساعد على جذب رأس المال والكفاءات والشركات التكنولوجية العالمية إلى السوق الإماراتية
وأكد أن الأهم في التجربة الإماراتية هو أنها لا تستهدف فقط أن تكون سوقاً مستهلكة للتكنولوجيا أو مجرد مركز لاستضافة الشركات العالمية، وإنما تسعى إلى بناء منظومة متكاملة تجعلها منصة إقليمية وعالمية لإدارة وتشغيل البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تشمل مراكز البيانات والطاقة والاتصالات والاستثمار والخدمات الرقمية
وقال إن هذا التحول، إذا استمر بالوتيرة الحالية، يمكن أن يمنح الإمارات ميزة تنافسية تتجاوز جذب شركات التكنولوجيا إلى بناء اقتصاد جديد حول التكنولوجيا نفسها، بحيث تصبح الدولة جزءاً من البنية العالمية التي يقوم عليها اقتصاد الذكاء الاصطناعي، وليس مجرد مستخدم لتطبيقاته

د. علي سعيد العامري: الإمارات تعيد رسم خريطة رأس المال العالمي بأصول المستقبل
( الخليج يعيد تعريف جاذبيته الاستثمارية بمنظومة متكاملة لرؤوس الأموال)
( الخليج ينتقل من الطفرة العقارية إلى منظومة متكاملة لصناعة القيمة)
قال الدكتور علي سعيد العامري، المؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة الشموخ (لمجلة استثمارات الإماراتية ) إن التحولات التي يشهدها القطاعان المالي والعقاري في دول الخليج تعكس انتقال المنطقة إلى مرحلة جديدة من النمو، لم تعد فيها جاذبية الأسواق مرتبطة فقط بارتفاع أسعار النفط أو الإنفاق الحكومي، وإنما أصبحت قائمة على منظومة متكاملة تجمع بين الإصلاحات التشريعية، وتطوير البنية التحتية، والانفتاح التجاري، وتنويع فئات الأصول، واستقطاب رؤوس الأموال العالمية.
وأوضح العامري أن الخليج لم يعد مجرد سوق تستقطب رؤوس الأموال لتمويل مشاريع عقارية تقليدية، بل يتحول تدريجياً إلى منصة استثمارية متكاملة تتقاطع فيها العقارات مع الخدمات المالية والتكنولوجيا والبنية التحتية واللوجستيات ومراكز البيانات، مشيراً إلى أن هذا التحول يرفع من قدرة المنطقة على جذب المستثمر المؤسسي وصناديق الاستثمار العالمية الباحثة عن فرص نمو طويلة الأجل.
وأضاف أن التطوير العقاري في الخليج دخل مرحلة أكثر نضجاً، إذ لم يعد التركيز منصباً على زيادة المعروض فقط، وإنما على بناء مدن ومجتمعات ومناطق أعمال متكاملة قادرة على جذب السكان والشركات ورؤوس الأموال في الوقت نفسه. وهذا يعني أن العقار أصبح جزءاً من منظومة اقتصادية أوسع، ترتبط بالتجارة والسياحة والخدمات واللوجستيات والتكنولوجيا.
وأكد العامري أن الانفتاح التشريعي يمثل أحد أهم محركات التحول، خصوصاً مع توسيع نطاق تملك الأجانب وتطوير المناطق الاقتصادية والمالية المتخصصة، بما يمنح المستثمر الدولي قدرة أكبر على الدخول إلى الأسواق الخليجية وامتلاك الأصول وإدارة استثماراته ضمن بيئة أكثر وضوحاً واستقراراً.
وأشار إلى أن المنافسة الخليجية لم تعد تقوم فقط على تقديم عوائد مرتفعة، وإنما على توفير بيئة متكاملة لرأس المال تشمل التشريعات، والتمويل، والبنية التحتية، وسهولة ممارسة الأعمال، والاتصال بالأسواق العالمية، وهو ما يفسر تصاعد اهتمام المؤسسات الاستثمارية العالمية بالمنطقة.
ولفت إلى أن صعود مراكز البيانات يمثل نموذجاً واضحاً لفئات الأصول الجديدة التي تعيد رسم الخريطة الاستثمارية الخليجية، قائلاً إن الاقتصاد الرقمي يحتاج إلى عقار مختلف؛ يحتاج إلى مراكز بيانات وطاقة واتصالات وبنية تحتية متقدمة، ولذلك فإن الاستثمار في التكنولوجيا أصبح يخلق طلباً جديداً على العقارات والبنية التحتية والطاقة في الوقت نفسه
وأضاف أن دخول مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والائتمان الخاص إلى المشهد الاستثماري الخليجي يعكس تطوراً مهماً في طبيعة الأسواق، إذ لم تعد الفرص محصورة في السكن والمكاتب ومراكز التسوق، وإنما تمتد إلى أصول مرتبطة باقتصاد المستقبل، وهو ما يفتح المجال أمام نماذج تمويل واستثمار أكثر تنوعاً
ويرى العامري أن الاتفاقيات التجارية والشراكات الاقتصادية التي تعقدها دول الخليج مع الاقتصادات الكبرى تمثل عاملاً إضافياً في تعزيز جاذبية القطاع العقاري والمالي، لأنها لا تزيد حركة التجارة فقط، وإنما تخلق طلباً جديداً على المستودعات والمناطق اللوجستية والمكاتب ومراكز الأعمال والفنادق والخدمات المرتبطة بسلاسل الإمداد
وقال إن كل اتفاقية تجارية جديدة لا تفتح سوقاً للسلع والخدمات فحسب، وإنما تخلق أيضاً احتياجاً إلى بنية تحتية وأصول عقارية وتمويل وخدمات مالية موضحاً أن توسع العلاقات التجارية مع الهند والصين والمملكة المتحدة وغيرها يمكن أن يدعم موقع الخليج كمركز إقليمي لسلاسل الإمداد والاستثمار
وشدد العامري على أن المرحلة المقبلة تتطلب قدراً أكبر من الانتقائية في الاستثمار، في ظل ضخامة المشاريع وتزايد المعروض في بعض الأسواق، موضحاً أن المستثمر الناجح لن ينظر فقط إلى حجم المشروع أو العائد المتوقع، وإنما إلى جودة الأصل، وموقعه، واستدامة الطلب عليه، وقدرته على الاندماج في المنظومة الاقتصادية المحيطة به
واختتم بالقول إن الخليج ينتقل من اقتصاد يعتمد على دورة الاستثمار إلى اقتصاد يبني منظومة مستدامة لجذب رأس المال مشيراً إلى أن الميزة التنافسية المقبلة لن تكون لمن يمتلك أكبر عدد من المشاريع، وإنما لمن يستطيع تحويل رأس المال العالمي إلى أصول منتجة ومستدامة قادرة على توليد القيمة لسنوات طويلة
الخليج لا ينافس اليوم على جذب رأس المال فقط، بل يبني منظومة متكاملة تجعل رأس المال العالمي شريكاً في صناعة أصول جديدة تمتد من العقار واللوجستيات إلى مراكز البيانات واقتصاد المستقبل
التعليقات مغلقة.