إثيوبيا وإريتريا إلى قطيعة دبلوماسية.. البحر الأحمر يعيد إشعال التوتر بين الجارتين
أجرته : رباب سعيد محررة مجلة استثمارات الإماراتية شؤون مصر وشمال إفريقيا
دخلت العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا مرحلة جديدة من التصعيد، مع إعلان أسمرة قطع العلاقات الدبلوماسية مع أديس أبابا، ردًا على قرار إثيوبي بإغلاق السفارة الإريترية وطرد 10 دبلوماسيين إريتريين، في تطور يعيد التوتر بين البلدين إلى الواجهة بعد سنوات من المصالحة التي أعقبت اتفاق السلام التاريخي بينهما عام 2018.
ويمثل القرار المتبادل أحدث حلقة في مسار متصاعد من الاتهامات بين الجانبين، يرتبط بصورة خاصة بملف البحر الأحمر والموانئ الإريترية، إلى جانب التوترات الأمنية المتصلة بإقليم تيغراي والجماعات المسلحة المعارضة.
قطيعة دبلوماسية متبادلة
أعلنت وزارة الخارجية الإثيوبية إغلاق سفارتها في العاصمة الإريترية أسمرة، واعتبرت 10 دبلوماسيين إريتريين أشخاصًا غير مرغوب فيهم، مطالبة إياهم بمغادرة الأراضي الإثيوبية خلال 48 ساعة.
وبررت أديس أبابا قرارها باتهام الدبلوماسيين بالمشاركة في أنشطة قالت إنها تمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، معتبرة أن تلك الأنشطة تخالف اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية.
كما اتهمت الحكومة الإثيوبية إريتريا بارتكاب ما وصفته بـ«أعمال عدائية وأعمال عدوانية مباشرة وغير مباشرة» ضدها.
في المقابل، ردت أسمرة بإعلان قطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا، متهمة الحكومة الإثيوبية بـ«قلب الحقائق» لتبرير ما وصفته بأعمال عدائية غير مبررة.
وقالت الخارجية الإريترية إن إثيوبيا تتبع منذ سنوات أجندة من العداء المتواصل، معتبرة أن ممارسات أديس أبابا تجاوزت مرحلة التوتر السياسي إلى ما وصفته بأنه إعلان حرب معلن
البحر الأحمر في قلب الأزمة
يتصدر ملف الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر أسباب التوتر المتجدد بين البلدين، إذ تسعى إثيوبيا، وهي دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا، إلى تأمين منفذ بحري يخدم مصالحها التجارية والاستراتيجية.
وتؤكد أديس أبابا أن تحركاتها للحصول على منفذ بحري تتم عبر الوسائل السلمية، في حين ترى أسمرة أن المطالب الإثيوبية تمثل تهديدًا لسيادتها على أراضيها وموانئها، ولا سيما منطقة عصب الساحلية.
واتهمت الخارجية الإريترية إثيوبيا بالسعي إلى الحصول على منفذ سيادي إلى البحر الأحمر عبر ما وصفته بمحاولات للسيطرة على موانئ ومناطق ساحلية إريترية.
ويمثل ميناء عصب، المطل على البحر الأحمر، نقطة حساسة في الحسابات الجيوسياسية للبلدين، نظرًا لموقعه وأهميته بالنسبة إلى حركة التجارة والاتصال البحري في المنطقة.
من السلام إلى المواجهة
ويكتسب التصعيد الحالي أهمية خاصة بالنظر إلى التحول الكبير الذي شهدته العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة خلال السنوات الماضية.
فبعد عقود من العداء والحرب، شهد عام 2018 انفراجة تاريخية توجت بتطبيع العلاقات بين البلدين، واستئناف الاتصالات وفتح الحدود، في أعقاب اتفاق السلام الذي أنهى مرحلة طويلة من القطيعة.
لكن هذا التقارب لم يصمد أمام التطورات اللاحقة، إذ شاركت القوات الإريترية إلى جانب القوات الحكومية الإثيوبية خلال الحرب التي اندلعت في إقليم تيغراي بين عامي 2020 و2022، قبل أن ينتهي الصراع باتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022.
وبعد انتهاء الحرب، عادت الخلافات بين أديس أبابا وأسمرة إلى الواجهة، خصوصًا بشأن مستقبل تيغراي والوضع الأمني في شمال إثيوبيا، إضافة إلى ملف البحر الأحمر.
اتهامات أمنية متبادلة
لم تقتصر الخلافات على قضية الموانئ، إذ تتبادل الحكومتان اتهامات بشأن دعم أطراف معارضة وتهديد الأمن القومي لكل منهما.
واتهمت أسمرة أديس أبابا باستضافة وتدريب وتسليح جماعات معارضة إريترية بهدف زعزعة الاستقرار الداخلي والسعي إلى تغيير النظام، وهي اتهامات ترفضها إثيوبيا.
وفي المقابل، تقول أديس أبابا إن أنشطة دبلوماسيين إريتريين داخل أراضيها تجاوزت العمل الدبلوماسي ووصلت إلى مستوى يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
وتعكس هذه الاتهامات عمق أزمة الثقة بين البلدين، خصوصًا مع استمرار التوتر في شمال إثيوبيا والمخاوف من انعكاساته على الأمن الإقليمي.
ما بعد القطيعة.. إلى أين تتجه المنطقة؟
يفتح قطع العلاقات الدبلوماسية الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا في العلاقة بين البلدين، خصوصًا أن الخلافات الحالية تتجاوز التمثيل الدبلوماسي إلى ملفات استراتيجية تشمل الأمن الإقليمي، والبحر الأحمر، والموانئ، وتطورات إقليم تيغراي.
كما أن استمرار التوتر بين دولتين ترتبطان جغرافيًا ومصالحهما الأمنية والتجارية بالبحر الأحمر قد يضيف عنصرًا جديدًا إلى المشهد الإقليمي، في منطقة تشهد أصلًا تنافسًا متزايدًا على الموانئ والممرات البحرية والنفوذ الاستراتيجي.
وبذلك، لا تبدو القطيعة الدبلوماسية مجرد خلاف بين سفارتين، بل تعكس أزمة أوسع في ترتيبات الأمن والمصالح بين دولتين انتقلتا خلال سنوات قليلة من المصالحة التاريخية إلى مواجهة سياسية وأمنية مفتوحة، فيما يبقى ملف الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر أحد أبرز مفاتيح مستقبل العلاقة بينهما.
التعليقات مغلقة.