موسكو تفتح جبهة الاقتصاد في إفريقيا.. هل تتحول الشراكة إلى نفوذ مستدام؟
أجرته\ رباب سعيد مجلة استثمارات الإماراتية شؤون مصر وشمال إفريقيا
تدخل العلاقات الروسية الإفريقية اختباراً جديداً مع اقتراب انعقاد قمة روسيا وإفريقيا الثالثة في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026، وسط بيئة دولية تشهد تصاعداً في التنافس على النفوذ داخل القارة، وتنامياً في قدرة الدول الإفريقية على تنويع شراكاتها الاقتصادية والسياسية. وبينما تسعى موسكو إلى تقديم نفسها كشريك طويل الأمد في مجالات الأمن والطاقة والتعدين والغذاء والبنية التحتية والتكنولوجيا، تبرز في المقابل أسئلة متزايدة حول قدرة روسيا الاقتصادية على تحويل التعهدات السياسية إلى استثمارات ومشروعات واسعة النطاق تلبي الاحتياجات التنموية للقارة.
وتكتسب القمة أهمية إضافية في ظل تراجع الحضور الرئاسي الإفريقي مقارنة بالنسخة الأولى، وتباين الاستجابة الإفريقية للطرح الروسي، فضلاً عن استمرار انعقاد القمم الروسية الإفريقية في روسيا رغم التوجه الذي أعلنه إعلان سوتشي 2019 لعقدها بالتناوب بين روسيا وإحدى الدول الإفريقية. وفي المقابل، تبدو موسكو أكثر إدراكاً لحاجة علاقتها بالقارة إلى أبعاد تنموية واقتصادية تتجاوز التعاون العسكري والأمني، وهو ما انعكس في التحضيرات للقمة والمشاورات مع الاتحاد الإفريقي.
قمة ثالثة.. وأسئلة أكبر من جدول الأعمال
تنعقد القمة الثالثة في موسكو في وقت تحاول فيه روسيا إعادة صياغة أدوات حضورها الإفريقي، بعد أن ركزت علاقاتها مع عدد من دول القارة خلال السنوات الماضية على التعاون السياسي والأمني والعسكري. وتسعى موسكو حالياً إلى توسيع هذه العلاقة باتجاه قطاعات الاقتصاد والطاقة والتعدين والزراعة والصحة والتكنولوجيا والبنية الأساسية.
وكانت المشاورات رفيعة المستوى بين روسيا والاتحاد الإفريقي في أديس أبابا خلال يوليو 2026 قد أكدت وجود رغبة مشتركة في توسيع التعاون، حيث ناقش رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ملفات التجارة والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والأمن الغذائي والصحة والتصنيع، إلى جانب قضايا السلام والأمن وإصلاح منظومة الحوكمة الدولية.
واتفق الجانبان كذلك على تعزيز الحوار المؤسسي وإطلاق حوارات قطاعية ومشاورات فنية، فضلاً عن إجراء مشاورات سياسية رفيعة المستوى بصورة دورية، بما يهدف إلى بناء إطار تعاون أكثر انتظاماً وقابلية للتوقع على المدى الطويل.
لكن هذه الأجندة الواسعة تصطدم بتحدٍ رئيسي يتمثل في الفجوة بين حجم التطلعات الإفريقية وحجم الأدوات الاقتصادية الروسية المتاحة لتمويلها.
من الأمن إلى التنمية
تحاول موسكو خلال المرحلة الحالية توسيع مفهوم شراكتها مع إفريقيا، بحيث لا تظل مرتبطة بالملفات الأمنية والعسكرية، وإنما تمتد إلى التنمية الاقتصادية وبناء القدرات ونقل التكنولوجيا.
وتبرز في هذا السياق شركات روسية كبرى مدعومة من الدولة، من بينها روساتوم في الطاقة النووية، وألروسا في التعدين والألماس، وروس أوبورون إكسبورت في قطاع الدفاع، إلى جانب شركات تعمل في الأسمدة والمنتجات الزراعية مثل أورالكيم وفوس أجرو
كما تتسع المصالح الروسية لتشمل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والرعاية الصحية والطب النووي، في وقت تمثل فيه قطاعات الزراعة والأسمدة والأمن الغذائي مجالاً مهماً لتوسيع التعاون مع الاقتصادات الإفريقية.
ويحظى هذا التوجه بأهمية خاصة بالنسبة للدول الإفريقية التي تبحث عن شركاء قادرين على توفير التكنولوجيا والخبرات والتمويل في قطاعات استراتيجية، بينما تسعى موسكو إلى توظيف قدراتها الصناعية والتكنولوجية في بناء روابط طويلة الأمد داخل أسواق القارة.
إفريقيا الجنوبية.. النموذج الأكثر وضوحاً
تبدو إفريقيا الجنوبية إحدى أكثر المناطق التي تكشف طبيعة التحول في العلاقات الاقتصادية الروسية الإفريقية، في ظل وجود علاقات سياسية قديمة، وبيئة اقتصادية ومؤسسية أكثر تطوراً، وبنية تحتية ومالية توفر ظروفاً أفضل أمام الشركات الروسية.
وفي هذه المنطقة تتقاطع المصالح الروسية في التعدين والطاقة والدفاع مع مجالات التجارة الزراعية والأسمدة والصحة والتكنولوجيا، ما يوفر نموذجاً تسعى موسكو إلى توسيع نطاقه في مناطق أخرى من القارة.
ويعكس هذا النموذج محاولة روسية للانتقال من علاقات تقوم على التعاون الحكومي والسياسي إلى شراكات اقتصادية أكثر رسوخاً، يكون للقطاع الخاص والشركات الكبرى دور فيها، وتستفيد من الأسواق الإفريقية المتنامية والاحتياجات المتزايدة في مجالات الطاقة والغذاء والبنية الأساسية.
الاتحاد الإفريقي يطالب بإطار أكثر انتظاماً
تكشف المشاورات الروسية الإفريقية خلال يوليو عن محاولة لتجاوز الطابع الموسمي للقمم واللقاءات، عبر بناء آلية مؤسسية للحوار بين موسكو والاتحاد الإفريقي.
فقد اتفق الجانبان على مواصلة العمل من أجل إعداد خطة عمل جديدة للفترة 2027-2029، بعد مراجعة تنفيذ خطة العمل الحالية 2023-2026، إلى جانب تعزيز التنسيق في ملفات السلام والأمن وإصلاح مجلس الأمن الدولي والحوكمة العالمية.
كما جددت روسيا دعمها للموقف الإفريقي المطالب بإصلاح مجلس الأمن وضمان تمثيل دائم وعادل للقارة في عملية صنع القرار الدولي، وهو ملف يمثل أحد أهم نقاط التقاطع السياسي بين موسكو والاتحاد الإفريقي.
ومن المتوقع أن ينعكس هذا التقارب السياسي على أجندة قمة أكتوبر، خصوصاً في ملفات النظام الدولي متعدد الأقطاب، والسيادة الوطنية، وعدم التدخل، والتعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، إلى جانب دعم أجندة التنمية الإفريقية 2063 ومنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
بين الوعود والقدرة على التنفيذ
رغم اتساع قائمة الملفات المطروحة، فإن المعضلة الأساسية أمام الشراكة الروسية الإفريقية تظل اقتصادية بالدرجة الأولى.
فالدول الإفريقية تحتاج إلى استثمارات ضخمة وسريعة في الطاقة والنقل والبنية التحتية والتصنيع والزراعة والصحة، بينما تتحرك روسيا ضمن إمكانات مالية واقتصادية أقل من تلك التي تملكها بعض القوى الدولية والإقليمية المنافسة في القارة.
ومن هنا تبرز أهمية قدرة موسكو على تحويل الاتفاقات السياسية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، وليس الاكتفاء بإعادة تأكيد النوايا المشتركة في القمم والبيانات.
وتحاول روسيا معالجة جانب من هذه الفجوة من خلال التركيز على التدريب ونقل الخبرات وبناء القدرات، إلى جانب دعم قطاعات الزراعة والصحة والأمن الغذائي والطاقة. كما أنشأت مجموعات عمل روسية إفريقية لمتابعة ملفات الاستثمار والتحول الصناعي والبنية الأساسية والزراعة، وفق ما تضمنته التحضيرات للقمة.
أوغندا.. نموذج لشراكة متعددة المسارات
تمثل أوغندا مثالاً على محاولة موسكو بناء علاقة تتجاوز التعاون السياسي التقليدي، إذ تتوزع مجالات التعاون بين البلدين على ملفات الصحة والأمن البيولوجي والتدريب والطاقة، إلى جانب التعاون العسكري.
وشملت المبادرات الروسية في أوغندا، وكذلك في عدد من دول وسط وشرق إفريقيا، دعم القدرات الصحية ومواجهة الأوبئة وتطوير أنظمة الرصد الطبي وتوفير مختبرات متنقلة.
كما تبرز الطاقة النووية كأحد المجالات التي تسعى موسكو إلى استخدامها لتوسيع علاقاتها الاقتصادية، عبر شركة روساتوم، التي تمثل إحدى أهم أدوات روسيا في بناء شراكات استراتيجية طويلة الأجل مع الدول الإفريقية.
وتكشف هذه الحالة عن طبيعة المقاربة الروسية الجديدة: تقديم التعاون الفني والصحي والتدريبي كمدخل لتطوير علاقات أوسع يمكن أن تمتد لاحقاً إلى الطاقة والاستثمار والبنية الأساسية.
منافسة دولية على القارة
تنعقد القمة الروسية الإفريقية في وقت أصبحت فيه إفريقيا ساحة رئيسية للتنافس الاقتصادي والاستراتيجي بين مجموعة واسعة من القوى الدولية والإقليمية.
وتتنافس روسيا مع الصين والولايات المتحدة وتركيا والإمارات وغيرها على توسيع الحضور في أسواق القارة، سواء من خلال التجارة والاستثمار أو الطاقة والبنية الأساسية أو التكنولوجيا والتعاون الأمني.
وفي هذا المشهد، لا تبدو الدول الإفريقية مستعدة بالضرورة للانحياز إلى شريك واحد، بل تتجه إلى تنويع علاقاتها الخارجية والاستفادة من المنافسة بين القوى المختلفة للحصول على أفضل الشروط الاقتصادية والسياسية الممكنة.
وهنا تحديداً تواجه موسكو اختباراً صعباً؛ فالحفاظ على النفوذ السياسي لا يضمن بالضرورة تحويله إلى نفوذ اقتصادي، كما أن التعاون الأمني والعسكري لا يكفي وحده لبناء شراكة استراتيجية مستدامة مع القارة.
هل تنجح القمة الثالثة في تغيير المعادلة؟
تحمل قمة موسكو الثالثة عنواناً أوسع من مجرد استعراض للعلاقات الروسية الإفريقية؛ فهي محاولة لإعادة تعريف هذه العلاقات على أساس أكثر مؤسسية، وإدخال الاقتصاد والتنمية والتكنولوجيا والطاقة والغذاء إلى قلب الشراكة.
لكن نجاحها سيظل مرتبطاً بقدرة الطرفين على الانتقال من البيانات إلى التنفيذ، ومن الوعود السياسية إلى مشروعات ملموسة، ومن العلاقات الثنائية المتفرقة إلى إطار إفريقي أكثر اتساقاً.
وتشير المشاورات التي أجراها الاتحاد الإفريقي وروسيا إلى رغبة واضحة في بناء هذا الإطار، مع الاتفاق على مواصلة الحوار رفيع المستوى بصورة منتظمة وتعزيز التعاون القطاعي، بما يهيئ الأرضية لخطة جديدة للفترة 2027-2029.
وبذلك تبدو قمة أكتوبر محطة اختبار حقيقية لمستقبل الشراكة، ليس فقط لمدى قدرة موسكو على الحفاظ على حضورها في إفريقيا، وإنما أيضاً لقدرتها على تقديم قيمة اقتصادية وتنموية تتناسب مع حجم المنافسة التي تشهدها القارة، ومع ارتفاع سقف التوقعات الإفريقية من شركائها الدوليين.
التعليقات مغلقة.