الإمارات.. تصنع قوة الاستثمار بالقانون.. تشريعات رائدة ترسّخ الثقة وتقود المنافسة العالمية

 القانون لم يعد مجرد منظّم للمعاملات.. بل ركيزة استراتيجية لجذب رؤوس الأموال وتعزيز تنافسية الاقتصادات بقلم: الدكتور باسم الخديوي المؤسس والشريك الإداري لشركة الخديوي للمحاماة والاستشارات القانونية

“ملخص”

( يرى الدكتور باسم الخديوي أن تجربة الإمارات في تطوير المنظومة التشريعية، ولا سيما في مركزي دبي المالي العالمي وأبوظبي العالمي، تقدم نموذجًا مهمًا لتعزيز الثقة الاستثمارية. وأكد أن وضوح القوانين، واستقلال القضاء، وسرعة الفصل في النزاعات، ومرونة التشريعات في مواكبة المتغيرات الاقتصادية، عوامل أساسية لجذب رؤوس الأموال، مشددًا على أن نجاح مصر في تعزيز تنافسيتها الاستثمارية يتطلب تطوير بيئة قانونية مستقرة وشفافة توازن بين حماية المستثمر وتشجيع النمو الاقتصادي)

 

لم تعد المنافسة على جذب الاستثمارات الدولية تُحسم بالحوافز الضريبية أو التسهيلات التمويلية وحدها، بل أصبحت جودة التشريعات ووضوح القواعد القانونية وكفاءة المؤسسات المعنية بتطبيقها عناصر حاسمة في تحديد الوجهات التي يختارها المستثمرون لتوظيف رؤوس أموالهم. فالمستثمر لا يبحث فقط عن سوق واعدة وفرص ربح مرتفعة، وإنما يحتاج إلى منظومة قانونية تمنحه القدرة على تقدير المخاطر، وحماية حقوقه، وإدارة تعاقداته، وتسوية منازعاته وفق قواعد واضحة ومستقرة.

 

ومن هذا المنطلق، تقدم تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في تأسيس مركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي نموذجًا جديرًا بالدراسة، ليس لمجرد ما أتاحته من أطر قانونية متخصصة للأنشطة المالية والتجارية الدولية، بل لما تعكسه من إدراك لدور التشريع في بناء الثقة وتحويل البيئة القانونية إلى عنصر من عناصر التنافسية الاقتصادية.

 

وتفتح هذه التجربة الباب أمام سؤال جوهري في مصر: كيف يمكن الاستفادة من الخبرة الإماراتية في تطوير المنظومة التشريعية المصرية، بما يعزز جاذبية السوق للاستثمار الدولي، دون الإخلال بخصوصية النظام القانوني الوطني أو الضمانات الدستورية الحاكمة له؟

 

القانون.. أول اختبار لثقة المستثمر

عندما يدرس مستثمر أجنبي الدخول في شراكة مع شركة محلية أو تمويل مشروع استراتيجي أو الاستحواذ على حصة في مؤسسة قائمة، فإنه لا يكتفي بتحليل المؤشرات المالية وتوقعات النمو والعائد المنتظر، بل يضع في حساباته أسئلة قانونية قد تكون حاسمة في اتخاذ القرار: ما مدى وضوح حقوقه والتزاماته؟ كيف تُحمى مصالحه إذا أخل أحد الأطراف بالتعاقد؟ ما الآليات المتاحة للتخارج من الاستثمار؟ وأي جهة تفصل في النزاع إذا تعارضت المصالح؟

 

هذه الأسئلة لا تظهر بعد وقوع الخلاف فحسب، بل ترافق المستثمر منذ المفاوضات الأولى وصياغة العقود وتقييم المخاطر. فكلما ازدادت القواعد غموضًا أو تعقدت إجراءات التقاضي أو تراجعت القدرة على تنفيذ الأحكام، ارتفعت تكلفة المخاطر القانونية، وهو ما قد يؤثر في قرار الاستثمار أو شروط التمويل أو حجم رأس المال المخصص للمشروع.

 

وهنا تتجلى القيمة الاقتصادية للتشريع؛ إذ لا يقتصر دوره على تنظيم العلاقات بين الأطراف، بل يمتد إلى تهيئة بيئة يستطيع المستثمر فهمها والتعامل معها بثقة. ولا يعني ذلك أن نظامًا قانونيًا بعينه يضمن نتائج النزاعات أو يلائم جميع المستثمرين، وإنما يعني أن وضوح القواعد واستقرار تطبيقها وفاعلية المؤسسات تمثل عناصر أساسية في بناء الثقة، إلى جانب حجم السوق وتوافر الكفاءات والبنية التحتية وتكلفة التمويل.

 

الإمارات.. حين تتحول المرونة التشريعية إلى ميزة تنافسية

أدركت الإمارات أن استقطاب المؤسسات المالية والشركات العالمية يحتاج إلى بيئة قانونية تستجيب لطبيعة الأعمال العابرة للحدود، بما تتضمنه من أدوات تمويل متطورة، وعقود دولية معقدة، وهياكل شركات متعددة، واحتياجات متخصصة لتسوية المنازعات.

 

ومن هنا، أتاح الإطار الدستوري والتشريعي للدولة إنشاء مناطق مالية حرة ذات تنظيمات قانونية متخصصة، بما وفر أساسًا لتطوير بيئتين تستهدفان احتياجات قطاع الأعمال الدولي، هما مركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي.

 

وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها لم تتعامل مع المرونة التشريعية باعتبارها استثناءً غير محدد، بل ربطتها بإطار قانوني ينظم نطاق الاختصاصات والقواعد المطبقة والعلاقة بالتشريعات الاتحادية. وظل المركزان جزءًا من دولة الإمارات، مع خضوعهما للدستور والقوانين الواجبة التطبيق وفقًا للأحكام المنظمة لكل منهما.

 

ويؤكد ذلك أن التطوير التشريعي الفعال لا يقوم على إصدار قواعد جديدة فحسب، وإنما يحتاج إلى تحديد دقيق لنطاقها، ووضوح في توزيع الاختصاصات، ومؤسسات قادرة على تنفيذها بكفاءة. فالقانون الذي لا يعرف المستثمر حدود تطبيقه أو الجهة المسؤولة عن تفسيره لا يستطيع وحده أن يوفر اليقين الذي تتطلبه الاستثمارات طويلة الأجل.

 

دبي وأبوظبي.. نموذجان للاستفادة من القانون العام الإنجليزي

تكتسب تجربة المركزين أهمية إضافية من اختلاف النهج الذي اتبعه كل منهما في الاستفادة من تقاليد القانون العام الإنجليزي (Common Law)، التي تعتمد على السوابق القضائية إلى جانب التشريعات المكتوبة، وتوفر مرجعية مألوفة لقطاع من المستثمرين الدوليين ومستشاريهم القانونيين.

 

ففي مركز دبي المالي العالمي، تطورت منظومة من القوانين الخاصة التي تنظم مجالات متعددة، من بينها الشركات والعقود والإعسار، مستفيدة من تقاليد القانون العام الإنجليزي وخبرات قانونية دولية متنوعة. وتتولى محاكم المركز الفصل في المنازعات الداخلة ضمن اختصاصها وتفسير القواعد ذات الصلة، بما يتيح تراكم الخبرات القضائية وتطوير التطبيقات العملية للتشريعات.

 

أما سوق أبوظبي العالمي، فقد تبنى نهجًا يقوم على التطبيق المباشر للقانون العام الإنجليزي ضمن إطاره القانوني، بما يسمح بالاستفادة من رصيد متراكم من المبادئ والأحكام القضائية. ولا يعني ذلك أن جميع التشريعات البريطانية تسري تلقائيًا في السوق، بل إن تطبيق القانون العام الإنجليزي يتم وفق القواعد المنظمة للسوق وحدودها القانونية.

 

ويكشف اختلاف المسارين عن مرونة في اختيار الأدوات القانونية التي تخدم طبيعة الأنشطة المستهدفة، كما يوضح أن الاستفادة من التجارب الدولية لا تستلزم تبني نموذج واحد بصورة حرفية. فالعبرة ليست باسم النظام القانوني، وإنما بمدى وضوح القواعد، واتساقها، وملاءمتها لاحتياجات المستثمرين، وفاعلية المؤسسات التي تتولى تطبيقها.

 

كما أن وجود قواعد قانونية متخصصة لا يكفي وحده لضمان نجاح البيئة الاستثمارية؛ إذ تظل كفاءة القضاء، وسرعة الإجراءات، وشفافية الجهات التنظيمية، وقابلية تنفيذ الأحكام، عوامل مكملة لا يمكن الاستغناء عنها.

 

مصر.. من تطوير النصوص إلى بناء منظومة متكاملة للثقة

تمتلك مصر سوقًا كبيرة وقاعدة اقتصادية متنوعة وخبرات قانونية ومؤسسية يمكن البناء عليها لتطوير البيئة الاستثمارية. كما تتضمن منظومتها التشريعية أدوات لتنظيم أنشطة ذات طبيعة خاصة، إلى جانب قانون التحكيم الذي يتيح للأطراف، في نطاقه، الاتفاق على القواعد القانونية التي تحكم موضوع النزاع وتنظيم عدد من المسائل الإجرائية.

 

ومن ثم، فإن الاستفادة من التجربة الإماراتية لا ينبغي أن تبدأ بافتراض ضرورة استنساخ المركزين أو نقل نظام قانوني أجنبي بكامل تفاصيله، بل بتحديد التحديات التي تواجه المستثمرين في المعاملات الفعلية، ثم دراسة الحلول التشريعية والمؤسسية الأكثر ملاءمة لمعالجتها.

 

وأرى أن هناك مجالات تستحق اهتمامًا خاصًا، من بينها تنظيم حقوق المساهمين، وآليات دخول الشركاء وخروجهم، وتمويل المشروعات، وتسوية المنازعات التجارية والمالية، وتعزيز الشفافية في المعاملات، وتطوير الإجراءات المرتبطة بتنفيذ الأحكام.

 

ويمكن دراسة الاستفادة من الخبرات القانونية الدولية، ومنها تقاليد القانون العام الإنجليزي، عند تطوير قواعد متخصصة لبعض المعاملات المالية والتجارية الدولية، سواء من خلال تحديث التشريعات القائمة أو بحث إنشاء إطار تنظيمي محدد لأنشطة معينة، شريطة أن تستند هذه الخطوات إلى دراسة دقيقة للاحتياجات الفعلية للسوق المصرية.

 

والأهم أن يكون الإطار المقترح واضحًا منذ البداية في تحديد القانون الواجب التطبيق، والجهة المختصة بالفصل في المنازعات، ونطاق اختصاص المؤسسات التنظيمية والقضائية، وعلاقة القواعد الخاصة بالتشريعات العامة للدولة. فالتوسع في الاستثناءات دون تحديد دقيق قد يؤدي إلى تداخل الاختصاصات بدلًا من تعزيز اليقين القانوني.

 

الضمانات الدستورية.. أساس الإصلاح وليس عائقًا أمامه

إن أي توجه نحو إنشاء منظومة قانونية متخصصة في مصر يتطلب دراسة دستورية وقانونية متأنية، خصوصًا إذا شمل إنشاء جهات قضائية أو تنظيمية ذات اختصاصات محددة، أو إدخال ترتيبات خاصة بلغة التقاضي وإجراءاته.

 

ويتوقف تحديد ما يمكن تنظيمه بقانون عادي وما قد يتطلب تعديلًا دستوريًا على طبيعة المقترح وتفاصيله، مع ضرورة احترام الضمانات الدستورية للمتقاضين ومبادئ العدالة والمساواة واستقلال القضاء.

 

ولا ينبغي النظر إلى هذه المتطلبات باعتبارها عائقًا أمام التطوير، بل باعتبارها أساسًا لاستقرار النظام القانوني واستمراريته. فالمستثمر لا يحتاج إلى قواعد جديدة فحسب، وإنما يحتاج إلى قواعد تستند إلى أساس قانوني سليم، ولا تظل عرضة للشك في دستوريتها أو في حدود تطبيقها.

 

ومن هنا، يصبح من الضروري أن يسبق أي إصلاح تشريعي حوار مهني يجمع الجهات الحكومية والهيئات التنظيمية والخبراء القانونيين وممثلي مجتمع الأعمال، بما يضمن تحديد المشكلات الواقعية، وتقييم البدائل المتاحة، وقياس الأثر المتوقع لكل خيار.

 

كفاءة التطبيق.. الحلقة التي تكتمل بها جاذبية الاستثمار

تظل جودة التشريع محدودة الأثر إذا لم يصاحبها تطبيق فعال. فالمستثمر يحتاج إلى نصوص يسهل الوصول إليها وفهمها، وإجراءات واضحة يمكن متابعتها، وجهات تنظيمية تتسم بالشفافية، وآليات ناجزة لتسوية المنازعات وتنفيذ الأحكام.

 

كما أن تطوير البيئة القانونية ينبغي ألا يقتصر على فئة محدودة من المستثمرين أو على إنشاء مسارات خاصة، بل يجب أن ينعكس على كفاءة منظومة الأعمال بصورة أوسع، من خلال تبسيط الإجراءات، والحد من التضارب التشريعي، وتحسين الوصول إلى المعلومات القانونية، وتعزيز التخصص في التعامل مع المنازعات التجارية والمالية.

 

ومن المهم أيضًا أن تقوم أي مزايا تنظيمية على معايير موضوعية ومعلنة، وأن تتحدد شروط الاستفادة منها بوضوح، بما يعزز الثقة في عدالة الإطار القانوني وقابليته للتطبيق.

 

فالميزة التنافسية الحقيقية لا تنشأ من وجود نصوص متطورة على الورق، وإنما من قدرة المؤسسات على تحويلها إلى ممارسة يومية يشعر المستثمر بأثرها في سرعة إنجاز معاملاته، ووضوح التزاماته، وحماية حقوقه.

 

التشريع.. رهان مصر لتعزيز موقعها على خريطة الاستثمار

إن الدرس الأهم من تجربتي دبي وأبوظبي لا يتمثل في نقل نموذج قانوني أجنبي بحذافيره، بل في فهم الكيفية التي يمكن بها للتشريع أن يستجيب لاحتياجات الاقتصاد، وأن يتحول إلى أداة لبناء الثقة وتحسين القدرة على المنافسة.

 

وأرى أن مصر تستطيع الاستفادة من هذه التجربة من خلال نهج تدريجي يبدأ بتقييم احتياجات القطاعات المستهدفة، ومراجعة التشريعات المنظمة للمعاملات الدولية، ودراسة الخبرات المقارنة، ثم تطوير القواعد والمؤسسات وفق رؤية متكاملة تراعي الدستور وخصوصية النظام القانوني الوطني.

 

فجذب الاستثمارات لا يتحقق بالحوافز والإعفاءات وحدها، كما لا يتحقق بمجرد تبني قواعد قانونية مألوفة لدى المستثمرين الدوليين. إنه نتيجة تفاعل بين سوق واعدة، وتشريعات واضحة، ومؤسسات كفؤة، وقضاء فعال، وبيئة مستقرة يمكن التنبؤ بقواعدها وتطبيقاتها.

 

وفي المحصلة، لم يعد التشريع مجرد أداة لتنظيم النشاط الاقتصادي، بل أصبح أحد محددات اختيار المستثمر لوجهته. وعندما تنجح الدولة في بناء منظومة قانونية تجمع بين المرونة والوضوح، وتحترم الضمانات الدستورية، وتضمن فاعلية التطبيق، فإنها لا تكتفي بتحسين بيئة الأعمال، بل تعزز قدرتها على المنافسة واستقطاب رؤوس الأموال وبناء اقتصاد أكثر استدامة.

 

وهنا تكمن الفرصة أمام مصر: أن تجعل من تطوير تشريعاتها ومؤسساتها مشروعًا اقتصاديًا متكاملًا، يستلهم الخبرات الدولية دون أن يتخلى عن خصوصيته الوطنية، ويحول الثقة القانونية من مطلب للمستثمر إلى ميزة تنافسية تدعم مكانة السوق المصرية على خريطة الاستثمار العالمي.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com