تصدير العقار المصري… لماذا أصبح أحد أهم أدوات جذب العملة الأجنبية؟
سلسلة: تصدير العقار المصري الجزء الأول بقلم: د. علي الدكروري رجل أعمال ومستثمر دولي
يشهد العالم اليوم منافسة متزايدة بين الدول على جذب رؤوس الأموال الدولية، ولم يعد النجاح الاقتصادي يقاس فقط بحجم الصادرات الصناعية أو الزراعية، بل بقدرة الدولة على ابتكار أدوات جديدة تستقطب الاستثمار الأجنبي، وتولد تدفقات مستدامة من النقد الأجنبي، وتدعم النمو الاقتصادي على المدى الطويل.
وفي هذا الإطار، أصبح تصدير العقار أحد أكثر القطاعات نموًا في العديد من الاقتصادات، ليس لأنه يبيع مباني أو وحدات سكنية فحسب، بل لأنه يجذب رؤوس الأموال إلى الداخل، ويحرك عشرات الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به.
ومن هذا المنطلق، كنت قد أكدت خلال كلمتي في قمة الاستثمار في مصر 2025، ضمن جلسة «مصر 2025… الوجهة العالمية للاستثمار العقاري»، أن القيمة الحقيقية لما تحقق من نهضة عمرانية في مصر لا تُقاس بعدد الأبراج أو المدن الجديدة، بل بقدرتنا على تحويل العقار المصري إلى منتج استثماري عالمي قادر على المنافسة وجذب المستثمرين من مختلف أنحاء العالم.
واليوم، أصبحت هذه الرؤية أكثر قربًا من الواقع، خاصة مع التوجه نحو إطلاق منصة رقمية متخصصة لتصدير العقار المصري، وهو تطور مهم يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية هذا القطاع في دعم الاقتصاد الوطني.
ما المقصود بتصدير العقار؟
قد يبدو المصطلح غريبًا للبعض، لأن العقار بطبيعته لا يغادر حدود الدولة كما يحدث مع السلع التقليدية.
لكن الحقيقة أن تصدير العقار يعني تصدير فرصة استثمارية، وليس نقل أصل مادي إلى الخارج.
فعندما يشتري مستثمر أجنبي وحدة داخل مصر، فإنه يضخ عملة أجنبية تدخل الاقتصاد المصري، بينما يبقى الأصل داخل الدولة، ويستمر في توليد قيمة اقتصادية لسنوات طويلة.
وهذه إحدى أهم مزايا هذا القطاع؛ فهو يجمع بين جذب النقد الأجنبي والحفاظ على الأصول الوطنية داخل البلاد.
القيمة الحقيقية تبدأ بعد البيع
كثيرون يعتقدون أن العائد الاقتصادي ينتهي بمجرد بيع الوحدة.
لكن الواقع مختلف تمامًا.
فالمشتري الأجنبي لا يكتفي بدفع ثمن العقار، بل يبدأ بعد ذلك في الإنفاق على التشطيب، والتأثيث، والصيانة، والإدارة، والتأمين، والخدمات، وربما التأجير أو الإقامة أو تأسيس نشاط اقتصادي.
وبالتالي، فإن عملية شراء واحدة قد تولد سلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية التي يستفيد منها قطاع المقاولات، وشركات الإدارة، والبنوك، وشركات التأمين، والسياحة، والنقل، والخدمات المختلفة.
وهذا ما يجعل تصدير العقار أحد القطاعات القادرة على تحقيق تدفقات دولارية مستدامة، وليس مجرد إيراد لمرة واحدة.
الأرقام تؤكد وجود فرصة حقيقية
تشير البيانات الرسمية إلى أن صافي الاستثمارات الواردة لشراء العقارات بواسطة غير المقيمين بلغ نحو 1.9 مليار دولار خلال العام المالي 2024/2025.
كما ارتفعت التدفقات خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026 إلى نحو مليار دولار، مقارنة بنحو 732 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق، وهو ما يعكس استمرار نمو الطلب على العقار المصري.
وتؤكد هذه الأرقام أن السوق بدأت تتحرك بالفعل، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن وجود مساحة كبيرة للنمو إذا أُحسن استثمار الإمكانات المتاحة.
لماذا تمتلك مصر ميزة تنافسية؟
تمتلك مصر مجموعة من المقومات التي يصعب أن تجتمع في كثير من الأسواق.
فهي تقع في قلب ثلاث قارات، وتملك شبكة متطورة من الطرق والموانئ والمطارات، ومدنًا عمرانية حديثة، وسواحل تمتد على البحرين الأحمر والمتوسط، إلى جانب تنوع سياحي وثقافي كبير، وقاعدة واسعة من المصريين المقيمين بالخارج، وأسعارًا لا تزال تتمتع بقدرة تنافسية عند مقارنتها بعدد كبير من الأسواق الإقليمية والدولية.
كما أن المدن الجديدة، مثل العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة، إلى جانب القاهرة الجديدة والساحل الشمالي ومناطق البحر الأحمر، تقدم خيارات متنوعة تناسب السكن، والاستثمار، والإجازات، والتأجير، وحفظ القيمة.
كل هذه العوامل تمنح العقار المصري فرصة حقيقية ليصبح منتجًا مطلوبًا في الأسواق الدولية.
لكن السعر وحده لا يكفي
ورغم أهمية الميزة السعرية، فإن المستثمر الدولي لا يتخذ قراره بناءً على سعر المتر فقط.
فهو يقارن بين عشرات الأسواق حول العالم، ويبحث عن عوامل أخرى أكثر أهمية، مثل وضوح الملكية، وسهولة الإجراءات، وشفافية البيانات، والاستقرار التشريعي، وإمكانية إعادة البيع، والعائد المتوقع، وجودة الخدمات المرتبطة بالعقار.
وبعبارة أخرى، فإن المستثمر لا يشتري وحدة سكنية فقط، بل يشتري الثقة.
وهذه الثقة هي التي تصنع الفارق بين سوق تجذب استثمارات مستدامة، وسوق تعتمد على فرص مؤقتة.
من بيع الوحدات… إلى صناعة منتج استثماري
وهنا يكمن التحول الحقيقي.
فالهدف لم يعد بيع أكبر عدد من الوحدات، وإنما بناء منتج استثماري متكامل، يجد فيه المستثمر كل ما يحتاج إليه من وضوح وشفافية وإدارة احترافية.
وعندما يتحقق ذلك، يصبح العقار المصري أكثر قدرة على المنافسة، ليس بسبب انخفاض سعره فقط، وإنما لأنه يقدم تجربة استثمارية متكاملة تضاهي أفضل الممارسات العالمية.
يتبع…
إذا كانت مصر تمتلك هذه المقومات الواعدة، فلماذا لا تزال حصيلة تصدير العقار أقل من الإمكانات المتاحة؟
الإجابة لا تتعلق بالعقار نفسه، بل بطريقة التفكير التي يتخذ بها المستثمر الدولي قراره.
وهذا ما سأناقشه في الجزء الثاني من هذه السلسلة، بعنوان:
“العقار المصري في عيون المستثمر العالمي… ماذا يشتري قبل أن يشتري الوحدة؟”
خلاصة الدكروري
تصدير العقار لا يعني بيع مبنى أو وحدة سكنية، بل يعني تصدير فرصة استثمارية تجذب رأس المال الأجنبي، وتولد نشاطًا اقتصاديًا مستدامًا، وتدعم احتياطيات الدولة من النقد الأجنبي.
ولذلك، فإن نجاح هذه الصناعة لن يُقاس بعدد الوحدات المباعة، بل بقدرتنا على بناء الثقة، وتحويل العقار المصري إلى منتج استثماري عالمي ينافس على الجودة والشفافية قبل أن ينافس على السعر.
التعليقات مغلقة.