لبنان ألم يتعب صمتُ القديسين من صمته
لبنان ألم يتعب صمتُ القديسين من صمته
” لبنان ” ألم يتعب صمتُ القديسين من صمته… ويُطلق صرخةَ الرحمة؟
بقلم : أكرم مندامي زين الدين
مستشار وخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية
دبي 16 يوليو 2026
في هذا البلد، لبنان، تعلّم الناس أن يُصلّوا أكثر مما يتكلّمون. ليس لأن الكلام لا يُجدي، بل لأنهم جرّبوه كثيرًا، ولم يتغيّر شيء. فصار الصمت، مع الوقت، لغةً أخرى؛ لغة من يعرف ويتحمّل وينتظر. ولم يكن هذا الصمت يومًا ضعفًا، بل شكلًا من أشكال الصبر الطويل. لكن حتى الصبر، حين يطول أكثر مما ينبغي، يفقد قدرته على حماية أصحابه.
لكن… إلى متى؟
يُقال إن الصابرين يشبهون الجبال؛ ثابتين، لا يهتزّون. لكن الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا هي أن الجبال نفسها تتشقّق حين يطول عليها الشتاء. فكيف بالناس؟
في لبنان، لم يعد الألم خبرًا عابرًا، بل أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. يمرّ في القلق، وفي التعب، وفي تلك الابتسامة التي نحاول أن نحافظ عليها حتى لا ينهار كل شيء. ومع ذلك، لا يزال كثيرٌ من الناس يحاولون، بطريقتهم الخاصة، أن يتمسّكوا بالحياة؛ بهدوء، ومن دون ضجيج أو شعارات.
في هذا البلد، لم يتوقف الناس عن الصمود، ولم يفقدوا قدرتهم على التجلّد والتصبّر، حتى غدا الصبر وطنًا مؤقتًا يسكنونه، وغدت الرجاءات اليومية زادهم في مواجهة ما لا يُحتمل.
وفي أشد المحن، لم يكن لبنان وحيدًا. فُتحت له الأبواب قبل الحدود، وامتدت إليه الأيدي قبل الكلمات، من الإمارات وأرجاء الخليج إلى مصر والأردن وفرنسا، ومعها دول عربية وشقيقة وصديقة كثيرة، وقفت إلى جانبه، وقدّمت الدعم، وساهمت في إعادة الحياة الكريمة قبل إعادة إعمار الحجر.

لكن… ماذا فعلنا نحن بكل هذا الوفاء؟ وماذا صنعنا بكل هذا الاحتضان؟
ألم يحن الوقت لنعترف بأن الصديق لا يُقاس بالشعارات، بل بمن يقف إلى جانبك حين تضيق بك الأيام؟ وأن الأوطان لا تُبنى بالمزايدات، بل بالشراكات الصادقة، وبالدولة التي تحفظ كرامة شعبها، وتحترم من وقف معها في ساعة الشدة؟
لكن هذا لم يعد يكفي.
هناك لحظة يبلغ فيها الصمت مداه، فلا يعود حكمة، بل يتحول إلى سؤال كبير: ماذا بعد؟ لحظة لا نطلب فيها المستحيل، بل نرفض أن يصبح الوجع قدرًا، وأن يتحول الخوف إلى أسلوب حياة.
هنا تولد الرحمة، لا كعاطفة عابرة، بل كقرار أخلاقي. الرحمة ليست ضعفًا، بل شجاعة أن ترى الإنسان قبل الاصطفاف، وأن تعترف بالألم قبل أن تحاكم أصحابه، وأن تفتح بابًا للحياة بدل أن تضيف بابًا جديدًا إلى الخراب.
لبنان اليوم لا يقف بين اللعنة والخلاص، بل أمام امتحان عسير. والفرق بينهما أن اللعنة تُغلق الأفق، أما الامتحان فيمنح فرصةً لمن يريد أن ينجح.
وهذا الباب لا يُفتح بالانتظار، بل بالفعل؛ بالانتقال من ردّ الفعل إلى المبادرة، ومن الخوف إلى المسؤولية، ومن الصمت الذي يُخفي الحقيقة إلى كلمة صادقة تُقال بضمير حي.
وربما لم يختر لبنان كل ما مرّ به، لكنه يملك أن يختار كيف يخرج منه.
لكن الرحمة لا تبقى فكرة معلّقة في السماء، ولا أمنية تُرفع في الدعاء، بل تُختبر عندما يواجه الإنسان نفسه، ويملك شجاعة مراجعة أخطائه قبل أن يفتّش عن أخطاء الآخرين. وهنا يبدأ السؤال الأصعب، لأنه ليس سؤال السياسة وحدها، بل سؤال الضمير.
حمل لبنان منذ النكبة قضية فلسطين في وجدانه، واحتضن آلامها، وتحمل أثقالها، كما حملها ملايين العرب في قلوبهم وضمائرهم. لكن بيروت، التي فتحت أبوابها للقضية والإنسان، أصبحت مع مرور العقود مثقلةً بأوزار الحروب، وبجراح الصراعات، وبأثمان قرارات لم يكن الشعب اللبناني دائمًا شريكًا حقيقيًا في صنعها.
أكرم مندامي زين الدين
أصبح الخلاف يدور حول مَن تُنسب إليه الأفضلية في وقف إطلاق النار
وما يؤلم القلب أن عقودًا طويلة مرّت، تقاسمت خلالها قوى سياسية وأحزاب وتيارات مختلفة شعارات القضية والمقاومة والوطن، بينما كانت الدولة تضعف، وكان الفساد ينهش مؤسساتها، ويقتات من لقمة الناس، ويتاجر بمقدرات الوطن، حتى كادت كل حبة تراب تصبح موضع مساومة.
وبعد كل هذا التفكك القيمي والإنساني، أصبح الخلاف يدور حول مَن تُنسب إليه الأفضلية في وقف إطلاق النار، ومَن يُحسب له الفضل في فتح طريق التهدئة، بينما السؤال الحقيقي هو: من يوقف انهيار الإنسان؟ ومن يعيد للدولة هيبتها، وللمواطن كرامته؟ ومن يوقف هذا الوطن على قدميه بدل أن يتقاسموا ما تبقى من جسده؟
ثم يعلو الصوت: أين المغيث؟
لكن، قبل أن نسأل عن المغيث، علينا أن نسأل أنفسنا: كم مرة قابلنا اليد الممدودة بالمكابرة وسوء التقدير؟ وكم مرة نعتنا من وقف معنا بأقسى الصفات، ثم عدنا نستنجد به حين ضاقت بنا السبل؟ وكم فرصة أهدرناها، حتى أصبح من يقف إلى جانب لبنان موضع تشكيك بدل أن يكون موضع امتنان؟
كم مرة أُرسلت المساعدات، وفُتحت المستشفيات، وأُغيث الناس، وأُعيد الأمل إلى عائلاتٍ أنهكها الخوف والفقر والحرب؟
فبأي منطق نصرخ اليوم: أين المغيث، بعدما أسأنا إلى المغيث، وشككنا في نواياه، وبدّدنا صداقاته، وحوّلنا الوفاء إلى مادة للمزايدة؟
أفيقوا… أفيقوا من المراهنات التي أنهكت الوطن، ومن المقامرات التي دفعت الأجيال أثمانها، ومن المكابرة التي لم تُنتج إلا مزيدًا من الانقسام. أفيقوا من وهم أن الخارج يستطيع أن يبني لنا دولةً نحن نهدمها بأيدينا، أو أن ينقذ وطنًا لا يزال بعض أبنائه يتعاملون معه كغنيمة.
الخطيئة لم تعد صغيرة، والوقت لم يعد يتّسع لمزيد من الأخطاء. لم يبق أمامنا إلا أن نطلب الرحمة، وأن نعود إلى الحقيقة التي تجاهلناها طويلًا: الدولة هي الأمان، وهي المأمن، وهي الضمانة الوحيدة لجميع أبنائها.
المستشار أكرم مندامي زين الدين
لا كرامة تُصان إلا تحت سقف دولة عادلة
أما آن، ونحن ندور منذ الاستقلال بين الانقسام والاقتتال والتشرذم، أن نتعلم أن لا وطن يقوم إلا بمؤسساته، ولا كرامة تُصان إلا تحت سقف دولة عادلة، ولا سلاح يحمي الناس أكثر من القانون، ولا زعامة تعلو فوق حياة الإنسان؟
أمّا آن لنا أن ندرك أن الدولة ليست خصمًا لأحد، بل هي الأم التي إن ضعفت، تيتم الجميع؟ وأن من يضعفها، مهما كانت حجته، يفتح أبواب الوطن للانهيار والخوف والتبعية؟
ومن شرفتي، حيث ما زلت أحتفظ بعلم لبنان، وبصوتٍ أنهكه التعب حتى كاد يعجز عن النطق، أريد أن أقول، قبل أن يسبقني التراب إلى الصمت: يا الله… أنت القادر، ونحن المغبونون والعاجزون.
وإن كان صمت القديسين لم يتعب بعد من صمته، فاسمع أنين هذا التراب، الذي لم يعد يجد متسعًا لدفن الإنسان بكرامة، ولا مكانًا كافيًا لاحتضان كل هذا الفقد. اسمع صوت الأمهات، وارتجاف الأطفال، وتعب الرجال الذين استهلكتهم الحروب، حتى المطر لم يعد كافيًا ليغسل رائحة الدم.
ويبقى الرجاء الأخير أن ينهض في هذا الوطن من يعتبر الرحمة شجاعة، والدولة أمانة، والإنسان القيمة التي لا يجوز أن تُهزم. فإن تعب صمت القديسين، فليكن كلام العقلاء بداية الخلاص.
فالقداسة ليست صمتًا إلى الأبد، بل أن نعرف متى يكون الصمت حكمة، ومتى يصبح الكلام واجبًا، ومتى تتحول الرحمة من دعاء نرفعه إلى موقف نحمي به الإنسان والوطن.
التعليقات مغلقة.