أربعة رؤساء تنفيذيين ومعنى القيادة
أربعة رؤساء تنفيذيين ومعنى القيادة
أربعة رؤساء تنفيذيين… وموقف واحد كشف لي الفارق في معنى القيادة
ثلاثة جعلوني أكتب شكرًا… وتجربة رابعة جعلتني أطرح سؤالًا
على مدار سنوات، تعاملت كعميل مع شركات اتصالات مختلفة، وواجهت — مثل ملايين العملاء — مشكلات في الخدمة احتجت معها أحيانًا إلى التواصل مع مستويات إدارية عليا.
لكن ما بقي في ذاكرتي لم يكن حجم المشكلة، ولا قيمتها المادية، ولا حتى الوقت الذي استغرقه حلها.
ما بقي فعلًا هو كيف تعامل القائد عندما وصلت إليه مشكلة عميل.
كانت لي تجارب مباشرة مع ثلاثة من كبار التنفيذيين في قطاع الاتصالات: لسعد بن ذياب في اتصالات تونس، والمهندس ياسر شاكر في أورنج مصر، والمهندس هشام مهران في أورنج مصر.
اختلفت المشكلات والظروف، لكن النتيجة الإنسانية كانت واحدة تقريبًا: شعرت في كل مرة أنني أمام مسؤول كبير يرى أن الاستماع إلى العميل جزء من مسؤوليته، وليس أمرًا أقل من منصبه.
ثم جاءت تجربتي مع المهندس تامر المهدي، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي للشركة المصرية للاتصالات WE.
وهنا شعرت بفارق كبير في المعاملة.
والأمر بالنسبة لي لم يكن مجرد مشكلة اتصالات؛ بل أصبح درسًا جديدًا في معنى القيادة وعلاقة الرئيس التنفيذي بالعميل.
لسعد بن ذياب… حين لا يصبح المنصب حاجزًا
في تجربتي مع اتصالات تونس، لم أكن أتوقع أن يهتم الرئيس المدير العام بنفسه بمشكلة تخص عميلًا.
لكن هذا ما حدث.
سعد بن ذياب اتصالات تونس
وصلت المشكلة إلى لسعد بن ذياب، وكانت الاستجابة بالنسبة لي مثالًا على أن المسؤول الكبير يستطيع، رغم حجم المؤسسة ومسؤولياته، أن يتعامل مع شكوى العميل باهتمام واحترام.
المهم بالنسبة لي لم يكن فقط الوصول إلى حل.
الأهم كانت الرسالة التي وصلتني من طريقة التعامل:
أنت عميل، ولذلك مشكلتك تستحق أن تُسمع.
وهذه رسالة لا تستطيع أكبر الحملات الإعلانية شراءها.
فالعميل قد ينسى تفاصيل العطل، لكنه لا ينسى من احترمه عندما كان يبحث عن حل.
ياسر شاكر… درس جعلني أكتب عن «الهرم المقلوب»
ياسر شاكر أورنج مصر
أما تجربتي مع المهندس ياسر شاكر، فقد كانت واحدة من التجارب التي دفعتني إلى الكتابة عن مفهوم إداري أؤمن به وأسميته «الهرم المقلوب».
في الإدارة التقليدية، نتصور أن الرئيس التنفيذي يقف في قمة الهرم، ثم تأتي الإدارات والموظفون، وفي النهاية العميل.
لكن فلسفة الهرم المقلوب تقلب هذه المعادلة.
يصبح العميل هو الأهم، ويصبح دور الإدارة والقيادة إزالة العقبات أمام الموظفين حتى يستطيعوا خدمته.
عندما وصلت مشكلتي إلى المهندس ياسر شاكر، كان من السهل أن تتحول إلى رقم آخر في نظام الشكاوى، أو أن تُحال من إدارة إلى أخرى.
لكن ما وجدته من اهتمام واستجابة جعلني أتوقف أمام التجربة وأكتب عنها.
لم أشعر بأنني أمام رئيس تنفيذي يتفضل بالاستماع إلى عميل.
شعرت أنني أمام قائد يعتبر الاستماع إلى العميل جزءًا طبيعيًا من مسؤوليته.
وهناك فارق هائل بين الاثنين.
هشام مهران… عندما تتحول الأزمة إلى نموذج في سرعة الاستجابة
ثم جاءت تجربتي مع المهندس هشام مهران.
مرة أخرى، وجدت مسؤولًا تنفيذيًا كبيرًا يستطيع أن يتعامل مع مشكلة عميل باعتبارها معلومة مهمة عن شركته، لا باعتبارها إزعاجًا يجب إبعاده عن مكتبه.
الاستجابة والاهتمام والمتابعة تركت لدي انطباعًا إيجابيًا يستحق أن أكتب عنه وأن أقدم الشكر عليه.
وهنا بدأت أقتنع أكثر بأن الأمر ليس صدفة ولا يتعلق بشخص واحد.
هناك ثقافة إدارية تقول:
كلما ارتفع منصبك، زادت مسؤوليتك تجاه العميل، لا المسافة بينك وبينه.
ثلاثة رؤساء تنفيذيين… ونفس الرسالة
عندما أنظر اليوم إلى تجاربي مع لسعد بن ذياب وياسر شاكر وهشام مهران، أجد أن الشركات مختلفة، والمناصب والظروف مختلفة، والمشكلات نفسها لم تكن واحدة.
لكن كان هناك شيء مشترك بينهم جميعًا:
لم يجعلني أي منهم أشعر بأن منصبه أكبر من مشكلتي.
بل حدث العكس.
جعلتني طريقة تعاملهم أشعر بأن كِبَر المنصب يعني كِبَر المسؤولية.
ولذلك كتبت عنهم وشكرتهم.
لم تكن لدي مصلحة شخصية في مدح أي منهم، ولم يكن الشكر إعلانًا مدفوعًا أو مجاملة.
أنا فقط أؤمن بمبدأ بسيط:
كما نكتب عن التجربة السيئة، فمن الإنصاف أن نكتب أيضًا عن التجربة الجيدة.
تامر المهدي الشركة المصرية للاتصالات
ثم اتصلت بالمهندس تامر المهدي… وهنا كان الاختلاف
بعد هذه التجارب، جاءت تجربتي مع المهندس تامر المهدي، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي للشركة المصرية للاتصالات WE.
وهنا أريد أن أتوقف عند نقطة مهمة تعلمتها من سنوات العمل والتعامل مع المؤسسات والقيادات.
عندما يضطر عميل إلى البحث عن رقم الرئيس التنفيذي لشركة، ثم يتصل به شخصيًا، فهذا في الغالب يعني أن هذا العميل وصل إلى أزمة كبيرة من وجهة نظره.
لو كانت المشكلة عادية واستطاعت القنوات المعتادة حلها، فما الذي سيدفع العميل أصلًا إلى الاتصال بأكبر مسؤول تنفيذي في الشركة؟
هناك خدمة عملاء.
وهناك فروع.
وهناك إدارات للشكاوى.
وهناك مستويات متعددة من المسؤولين.
لذلك عندما يتجاوز العميل كل هذه المستويات ويصل في النهاية إلى الرئيس التنفيذي، أعتقد أن أول سؤال ينبغي أن يخطر في ذهن القائد هو:
ما الذي حدث داخل شركتي حتى اضطر هذا العميل إلى الوصول إليّ شخصيًا؟
عندما يطرق العميل بابك… فهو ضيفك
عندما اتصلت بالأستاذ تامر المهدي على رقمه، لم أتوقع منه أن يترك إدارة شركة بحجم المصرية للاتصالات من أجل مشكلتي.
ولم أتوقع معاملة استثنائية لأنني محمد فؤاد.
ولم أطلب تجاوز نظام، ولا الحصول على حق ليس لي.
كنت أتوقع شيئًا أبسط كثيرًا:
حسن الاستقبال.
هناك معنى إنساني تعلمته وأؤمن به: عندما يتصل بك إنسان على رقمك بصفتك المسؤول الأكبر في المؤسسة لأنه وصل إلى أزمة كعميل، فأنا أراه — أدبيًا وإنسانيًا — مثل ضيف اضطر إلى طرق باب بيتك.
والضيف عندما يطرق بابك، لا تبدأ باستعراض حجم بيتك أو مكانتك أمامه.
تستقبله أولًا.
تسمعه.
تطمئنه.
ثم تعرف ماذا تستطيع أن تفعل له.
كنت أتوقع هذا النوع من حسن الضيافة الإدارية.
كلمة طيبة.
استماعًا هادئًا.
أو حتى جملة بسيطة:
«أرسل لي المشكلة وسأطلب من المسؤولين متابعتها.»
قد لا يستطيع الرئيس التنفيذي حل كل مشكلة بنفسه، وهذا أمر مفهوم تمامًا، بل وغير منطقي أن نطلب منه ذلك.
لكنه يستطيع في ثوانٍ قليلة أن يجعل العميل يشعر بأنه وصل إلى قائد المؤسسة، لا إلى باب كان من الأفضل ألا يطرقه.
ما أحزنني لم يكن المشكلة
وهنا أصل إلى جوهر ما دفعني إلى كتابة هذا المقال.
ما أحزنني لم يكن المشكلة الأصلية بقدر ما أحزنتني طريقة المعاملة التي شعرت بها أثناء التواصل.
خرجت من التجربة بانطباع مختلف تمامًا عن تجاربي السابقة.
وشعرت — من واقع تجربتي الشخصية وانطباعي عن طريقة التواصل — بمسافة وبقدر من التعالي في التعامل لم أكن أتوقعهما.
وأحرص هنا على التوضيح:
أنا أتحدث عن تجربتي الشخصية وعن الشعور الذي خرجت به منها، ولا أصدر حكمًا على شخصية المهندس تامر المهدي أو على مسيرته المهنية.
لكن في النهاية، العميل لا يتعامل مع السيرة الذاتية للرئيس التنفيذي عندما يكون في أزمة.
العميل يتعامل مع الكلمة والنبرة والاستقبال والتصرف.
وهذه الأشياء الصغيرة قد تصنع صورة مؤسسة كاملة في ذهنه.
خبرة ثلاثة عقود… لكن القيادة ليست تكنولوجيا فقط
يشغل المهندس تامر المهدي منصب العضو المنتدب والرئيس التنفيذي للشركة المصرية للاتصالات، ويتمتع بخبرة مهنية طويلة في قيادة التحول الاستراتيجي وتطوير وبناء وتشغيل شبكات الاتصالات والبنية التحتية الرقمية.
وهي خبرة مهنية أحترمها ولا أقلل منها.
لكن قيادة شركة اتصالات بهذا الحجم ليست شبكات وأبراجًا وأليافًا ضوئية وتحولًا رقميًا ومؤشرات مالية فقط.
هناك عنصر ربما يكون أصعب من كل ذلك:
الإنسان.
والعميل الذي يشعر بأن رئيس الشركة استمع إليه واحترمه، قد يتحول من عميل غاضب إلى أحد أكبر المدافعين عن العلامة التجارية.
أما العميل الذي يشعر بالتعالي في طريقة التعامل، فقد تُحل مشكلته الفنية لاحقًا، لكن يبقى داخله شيء أصعب كثيرًا في الإصلاح:
الأثر الإنساني للتجربة.
وهذا تحديدًا ما أحزنني.
القيادة تبدأ عندما يفشل كل شيء قبلك
الرئيس التنفيذي بالتأكيد ليس موظف خدمة عملاء.
ولا يمكن، ولا ينبغي، أن يتولى بنفسه حل آلاف المشكلات اليومية.
لكنني أرى أن هناك فرقًا بين أن يقوم الرئيس التنفيذي بعمل موظف خدمة العملاء، وبين أن يهتم بمعرفة لماذا اضطر أحد العملاء إلى الوصول إليه بعد أن فشلت القنوات الموجودة تحته.
بالنسبة لي، هذه لحظة إدارية شديدة الأهمية.
فالمدير قد يرى مكالمة العميل مقاطعة ليومه.
أما القائد فقد يراها إنذارًا مبكرًا قادمًا إليه من داخل مؤسسته.
عميل وصل إلى الرئيس التنفيذي يعني، في كثير من الحالات، أن شيئًا ما في المنظومة تحته لم يعمل كما ينبغي.
ولهذا فإن الاستماع إلى ذلك العميل ليس خدمة للعميل وحده.
إنه أيضًا خدمة للشركة نفسها.
ثلاثة جعلوني أكتب شكرًا… والرابع جعلني أطرح سؤالًا
عندما تعامل معي لسعد بن ذياب باهتمام، كتبت عنه.
وعندما شاهدت طريقة تعامل ياسر شاكر مع المشكلة، كتبت عنها.
وعندما وجدت من هشام مهران استجابة واهتمامًا يستحقان التقدير، كتبت أيضًا.
واليوم لا أستطيع أن أستخدم معيارًا آخر.
فالكاتب الذي يشكر عندما يرى موقفًا جيدًا، يجب أن يستطيع أيضًا أن يتحدث عندما تحزنه تجربة، بشرط أن يفعل ذلك بإنصاف، ودون إساءة أو تجريح.
ولهذا لا أكتب هذه الكلمات من باب الخصومة مع المهندس تامر المهدي.
بل أكتبها لأن المقارنة بين التجارب الأربع جعلتني أتوقف أمام سؤال أكبر من مشكلتي الشخصية:
هل المنصب الكبير يجعل المسؤول أبعد عن العميل… أم يجعله أكثر مسؤولية عنه؟
لسعد بن ذياب وياسر شاكر وهشام مهران أعطوني إجابة واضحة من خلال أفعالهم.
كنت أتمنى أن تمنحني تجربتي الرابعة الإجابة نفسها.
كنت أتمنى أن أكتب مقال شكر رابعًا
ربما هذه هي الجملة التي تلخص شعوري كله.
كنت أتمنى أن أكتب مقال شكر رابعًا.
كنت أتمنى أن أضيف تجربة المهندس تامر المهدي إلى التجارب الثلاث السابقة، وأن أقول إنني وجدت للمرة الرابعة رئيسًا تنفيذيًا كبيرًا استطاع أن يحول أزمة عميل إلى تجربة إيجابية.
لكن ما حدث جعلني أكتب سؤالًا بدلًا من رسالة شكر:
إذا استطاع ثلاثة رؤساء تنفيذيين لشركات اتصالات كبرى أن يجعلوا عميلًا في أزمة يشعر بأنه مهم ومرحب به، فلماذا خرجت من تجربتي الرابعة وأنا أشعر بأن المنصب كان أقرب إليّ من الإنسان الذي يشغله؟
المنصب لا يصنع القائد وحده.
وحجم الشركة لا يصنع احترام العميل.
والتكنولوجيا، مهما تطورت، لا تستطيع أن تعوض كلمة إنسانية في اللحظة التي يحتاج فيها العميل إليها.
قد تنتهي مشكلة الاتصالات في دقائق.
وقد يتم إصلاح خط أو شريحة أو خدمة بضغطة زر.
لكن طريقة معاملة الإنسان قد تبقى في ذاكرته سنوات.
وأحيانًا لا يحتاج العميل من الرئيس التنفيذي إلى حل المشكلة بنفسه.
يكفيه أن يشعر، عندما اضطر إلى طرق آخر باب في الشركة، أن هذا الباب لم يكن أثقل من أن يُفتح له.

عن الكاتب
محمد أحمد فؤاد أمين
خبير ومستشار في التقييم والاستثمار العقاري في دولة الإمارات العربية المتحدة
المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة WeValue للتقييم العقاري والاستشارات
مؤسس WeValue AI
عضو FIABCI – الاتحاد الدولي للعقارات
عضو ACAMS – Association of Certified Anti-Money Laundering Specialists
محاضر – Abu Dhabi Real Estate Institute
Executive Contributor – Brainz Magazine
مؤلف وباحث في الاستثمار والتطوير العقاري
التعليقات مغلقة.