بريكس تعيد رسم خريطة الطاقة العالمية.. ومصر في قلب معادلة المستقبل
بقلم : الإعلامية رباب سعيد
لم يعد الحراك الذي تقوده مجموعة “بريكس” يقتصر على إعادة تشكيل النظامين المالي والتجاري العالميين، بل امتد ليشمل أحد أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد الدولي، وهو أمن الطاقة. فقد اكتسب الاجتماع الحادي عشر لوزراء الطاقة، الذي استضافته الهند، أهمية استثنائية، بعدما عكس انتقال المجموعة من مرحلة تنسيق المواقف السياسية إلى بناء رؤية مشتركة لإدارة مستقبل الطاقة في عالم يشهد تحولات جيوسياسية وتكنولوجية متسارعة
وتكشف مخرجات الاجتماع أن دول “بريكس” تسعى إلى صياغة نموذج أكثر مرونة لاستدامة الطاقة، يقوم على احترام خصوصية الاقتصادات الوطنية، وتعزيز أمن الإمدادات، وتسريع التعاون في التكنولوجيا والاستثمارات، بما يواكب التحول العالمي نحو مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات دون الإضرار بمسارات التنمية
وأبرز ما جاء في الاجتماع هو التأكيد على مبدأ احترام الظروف الوطنية لكل دولة في رسم سياساتها الطاقوية، وهو ما يعكس رؤية مشتركة داخل بريكس تقوم على أن التحول نحو الطاقة النظيفة يجب أن يتم وفق قدرات كل اقتصاد واحتياجاته التنموية، وليس وفق مسار موحد يطبق على جميع الدول
هذا التوجه يعزز مفهوم العدالة الانتقالية الذي يربط بين التحول البيئي وتحقيق التنمية الاقتصادية، انطلاقاً من أن ضمان أمن الطاقة وتوفيرها بأسعار مناسبة يمثلان شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي، خاصة في الأسواق الناشئة
أظهرت المناقشات أيضاً أن مفهوم أمن الطاقة لم يعد يقتصر على ضمان تدفقات النفط والغاز، بل أصبح يشمل السيطرة على حلقات الإنتاج الصناعي المرتبطة بالطاقة المستقبلية
ولهذا ركز الوزراء على تعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتأمين المعادن الحيوية اللازمة لصناعة البطاريات والألواح الشمسية وتوربينات الرياح، إلى جانب دعم الاستثمار في تقنيات تخزين الطاقة والهيدروجين منخفض الكربون والتقنيات المرتبطة بخفض الانبعاثات
ويعكس هذا التحول إدراكاً متزايداً بأن المنافسة العالمية خلال العقود المقبلة ستدور حول التكنولوجيا وسلاسل القيمة الصناعية بقدر ما ستدور حول الموارد الطبيعية التقليدية
مع توسع عضوية بريكس، أصبحت المجموعة تضم عدداً من أكبر منتجي الطاقة ومستهلكيها، إضافة إلى قوى صناعية وتكنولوجية كبرى، وهو ما يمنحها وزناً متزايداً في صياغة مستقبل أسواق الطاقة العالمية.
ولا يقتصر هذا الثقل على الإنتاج والاستهلاك فقط، بل يمتد إلى القدرة على تطوير آليات تعاون مالي وتجاري جديدة، بما في ذلك توسيع استخدام العملات المحلية في المبادلات التجارية، خاصة في تجارة النفط والغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال، بما يقلل من المخاطر المرتبطة بتقلبات النظام المالي العالمي
جاءت مشاركة وزير البترول والثروة المعدنية، كريم بدوي، لتعكس رؤية مصر لتعظيم الاستفادة من عضويتها في “بريكس”، عبر تحويل ما تمتلكه من بنية تحتية وموقع جغرافي إلى عناصر قوة داخل منظومة الطاقة الجديدة
وترتكز الرؤية المصرية على ثلاثة محاور رئيسية؛ أولها تعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي لتجارة وتداول وتسييل الغاز، مستفيدة من محطتي إدكو ودمياط وشبكة خطوط الأنابيب، وثانيها التوسع في الصناعات البترولية والبتروكيماوية والأسمدة لزيادة القيمة المضافة، وثالثها تسريع تنمية قطاع التعدين واستغلال المعادن الحرجة، بما يواكب الطلب العالمي المتزايد على الخامات اللازمة لصناعات الطاقة النظيفة
كما تستهدف القاهرة جذب استثمارات جديدة من دول المجموعة في مختلف حلقات سلسلة القيمة بقطاع الطاقة، بما يدعم خططها لزيادة الإنتاج وتنويع مزيج الطاقة وتعزيز النمو الصناعي
تشير مخرجات الاجتماع إلى أن “بريكس” تتجه تدريجياً نحو بناء منظومة مؤسسية للتعاون في قطاع الطاقة، تتجاوز التنسيق السياسي إلى شراكات عملية في مجالات الاستثمار، والتكنولوجيا، والتصنيع، والتمويل، وبناء سلاسل إمداد أكثر مرونة.
ويمثل ذلك تحولاً مهماً في دور المجموعة، التي تسعى إلى تعزيز مساهمة الاقتصادات الناشئة في صياغة مستقبل الطاقة العالمي، عبر نموذج يوازن بين متطلبات أمن الإمدادات، وأهداف الاستدامة، واحتياجات التنمية.
يعكس الاجتماع الحادي عشر لوزراء الطاقة في “بريكس” اتجاهاً متنامياً نحو إعادة صياغة أولويات قطاع الطاقة العالمي، بحيث يصبح أمن الإمدادات، والتكنولوجيا، وسلاسل القيمة الصناعية، والتمويل، عناصر متكاملة ضمن رؤية واحدة.
وبالنسبة لمصر، فإن المشاركة الفاعلة في هذا المسار تمثل فرصة استراتيجية لتعزيز دورها كمركز إقليمي للطاقة، وجذب استثمارات نوعية في قطاعات الغاز، والبتروكيماويات، والتعدين، بما يدعم مستهدفات التنمية الاقتصادية ويعزز موقعها في خريطة الطاقة الإقليمية والدولية.
التعليقات مغلقة.