الأسواق العالمية بين تفاؤل هش ومخاوف متصاعدة.. هل ينجو الاقتصاد العالمي من عاصفة جديدة؟

بقلم \ الإعلامية رباب سعيد

تعيش الأسواق العالمية واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ سنوات، في ظل تداخل العوامل الاقتصادية مع التوترات الجيوسياسية، لتتحول حركة المال والاستثمار إلى انعكاس مباشر لحالة القلق والترقب التي تسيطر على الاقتصاد الدولي

فبعد أشهر طويلة من الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الفائدة، بدأت مؤشرات محدودة توحي بإمكانية حدوث انفراجة تدريجية، مع تراجع نسبي في أسعار الطاقة وتحسن شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر، وسط توقعات بأن تلجأ بعض البنوك المركزية الكبرى إلى تخفيف سياستها النقدية خلال الفترة المقبلةهذا التحسن النسبي أعاد جزءا من التدفقات الاستثمارية إلى أسواق الأسهم، بعد موجة هروب واسعة نحو الذهب والسندات والدولار خلال الفترات الماضية، كما ظهرت مؤشرات على تعافي الطلب في عدد من الأسواق الناشئة، خاصة في آسيا والشرق الأوسط، مدفوعة بتحسن النشاط الصناعي والتجاري واستقرار نسبي في سلاسل الإمداد

لكن هذه الإشارات الإيجابية لا تزال محاطة بحالة من الهشاشة الشديدة، إذ تقف في مواجهتها مجموعة من التحديات التي تمنع الأسواق من الدخول في مرحلة استقرار حقيقية فالتوترات الجيوسياسية لا تزال تضغط بقوة على المشهد العالمي، خصوصا في المناطق المرتبطة بالطاقة والممرات التجارية الحيوية، ما يبقي احتمالات اضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة قائمة في أي لحظة وفي الوقت ذاته، لم تُحسم معركة التضخم بشكل كامل، خاصة في أسعار الغذاء والسلع الأساسية، وهو ما يضع البنوك المركزية أمام معادلة معقدة بين دعم النمو الاقتصادي ومواصلة تشديد السياسة النقدية للسيطرة على الأسعار

كما تتزايد المخاوف المرتبطة بارتفاع مستويات الديون السيادية في عدد من الدول النامية، في ظل ارتفاع تكلفة الاقتراض عالميا وتراجع قدرة بعض الاقتصادات الهشة على تمويل التزاماتها، الأمر الذي يثير مخاوف من أزمات مالية قد تمتد آثارها إلى النظام المالي الدولي

وتضيف التقلبات الحادة في أسواق العملات مزيدا من الضبابية، مع اتساع الفجوة بين السياسات النقدية للدول الكبرى، حيث تسعى بعض الاقتصادات إلى خفض الفائدة لتحفيز النمو، بينما لا تزال أخرى متمسكة بالتشديد النقدي لكبح التضخم

وفي خضم هذه المعطيات، تبدو الأسواق اليوم وكأنها تتحرك وفق معادلة مزدوجة لا يحكمها الاقتصاد وحده، بل تتداخل فيها السياسة والأمن والطاقة والتجارة

فأي خبر يحمل إشارات إيجابية بشأن النمو أو الفائدة أو التجارة يتحول سريعا إلى موجة تفاؤل تدفع الأسهم للصعود وتعزز شهية المخاطرة، في حين أن أي تصعيد سياسي أو عسكري يعيد المخاوف إلى الواجهة، ويدفع المستثمرين مجددا نحو الذهب والدولار باعتبارهما ملاذين آمنين

ويجمع مراقبون على أن الاقتصاد العالمي يقف حاليا أمام لحظة اختبار حقيقية؛ فإما أن تنجح المؤشرات الإيجابية في التحول إلى مسار مستدام يعيد الثقة للأسواق ويعزز النمو العالمي، أو أن تتغلب المخاطر الجيوسياسية والضغوط التضخمية لتدخل الأسواق مجددا في دوامة من التوتر والاضطراب قد تكون أكثر تعقيدا من الموجات السابقة

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com