خيمة السميح، في عرقوب السديرة

بقلم: أكرم مندامي زين الدين مستشار وخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية

كثيرون يرون الإمارات العربية المتحدة منذ عيد الاتحاد. أما أنا فأراها منذ أبعد من ذلك بكثير.
أراها في جزيرة مروّح، حيث استوطن الإنسان هذه الأرض قبل ثمانية آلاف سنة، وأقام قريةً تشهد على ممارسات معمارية وفنية وتقنية متقدمة، في زمنٍ كانت فيه الحضارات الكبرى لا تزال في بدايات تشكلها. بنى بيوتاً من الصخر، وشكّل الفخار وزخرفه بطلاءٍ كثيف جميل في أقدم تعبير فني زخرفي عرفته هذه الأرض. استورد الخزف من بعيد، ونحت الخرز من الحجر والمحار، وصنع نصال أسهمه من الصوان. كان يبني، ويجمّل، ويتبادل مع العالم.
وفوق كل ذلك، كان يغوص.

في أرضية إحدى تلك المستوطنات وُجدت لؤلؤة طبيعية عمرها ثمانية آلاف سنة، أقدم دليل معروف على الغوص بحثاً عن اللؤلؤ في هذه الأرض. وما إن أتقن هؤلاء السكان الغوص حتى جعلوا منه دعامة اقتصادٍ امتد آلاف السنين. في القرن السادس عشر كان تاجر الجواهر البندقي غاسبارو بالبي يُسجّل في رحلاته أن جزر أبوظبي مصدرٌ رئيسي للؤلؤ في العالم. واستمر هذا الإرث حتى ثلاثينيات القرن الماضي، حين تحوّل الاقتصاد ولم تتحوّل الروح.

وليست هذه الأرض غريبةً عن الجمال، ولا عن تقدير قيمته. فما تعرضه متاحف أبوظبي اليوم من مئات القطع الاستثنائية في الموضة والمجوهرات والفنون البصرية والأثاث والتصميم، ليس استعراضاً لما اقتُني، بل سرديةٌ متكاملة تُظهر كيف نظرت الشعوب إلى مفهوم الجمال عبر العصور. وإنسان هذه الأرض كان في صلب هذه السردية منذ البداية. نحت الخرز، وزخرف الفخار، وغاص بحثاً عن اللؤلؤ. لم يكن يبحث عن القوت فحسب، بل كان يبحث عن الجمال. وهذا وحده يقول الكثير عن الإنسان الذي صنع هذه الحكاية منذ بدايتها.

تلك اللؤلؤة ليست قطعة أثرية فحسب، بل هي الجذر. والجذر الذي يمتد ثمانية آلاف سنة لا يُقتلع.
وعلى امتداد القرون، لم تنقطع الحكاية. تعاقبت على هذه الأرض أجيالٌ عرفت البحر كما عرفت الصحراء، وبنت من التجارة والغوص والترحال شبكةً من العلاقات امتدت إلى الهند وشرق أفريقيا وبلاد فارس وبلدان المشرق. نشأت مجتمعات الساحل حول الموانئ والخيران الطبيعية، وتكوّنت الروابط القبلية التي حفظت الاستقرار والهوية، فيما ازدهرت تجارة اللؤلؤ حتى غدت أحد أعمدة الاقتصاد في الخليج، وحتى وثّق الإنجليزي لوريمر في دليله الشهير مطلع القرن العشرين أن سواحل الإمارات المتصالحة وحدها كانت تُبحر منها في كل موسم غوص نحو ألف ومئتي سفينة، تحمل عشرات الآلاف من الرجال إلى الهيرات. ومع دخول القرن التاسع عشر ثم القرن العشرين، واجهت المنطقة تحولاتٍ كبرى، من تغيرات التجارة العالمية إلى بدايات عصر النفط، لكنها احتفظت بخاصيةٍ نادرة: القدرة على التكيّف دون التفريط بالجذور. كانت الأرض تستعد، عبر تراكم التجارب والخبرات، للحظةٍ ستغيّر مسارها إلى الأبد.

ثم جاء عام 1968.
في منطقة حدودية بين أبوظبي ودبي، حيث لا يفصل الرمل عن الرمل شيء سوى الاصطلاح، نُصبت خيمتان على تلة رملية. كان ذلك في شباط، والصحراء في شباط لها مزاجها الخاص، هواءٌ باردٌ يلسع الوجه في الصباح، وشمسٌ رحيمة في الظهيرة، وريحٌ خفيفة تعيد رسم سطح الرمل كل ساعة، كأن الأرض نفسها تمحو ما كان وتستعد لما سيكون.

لا قاعات اجتماعات هنا، ولا أعلام، ولا وفود، ولا محاضر تُكتب. خيمةٌ للقاء وخيمةٌ للضيافة، وبينهما رائحة الجمر ودلال القهوة، ذلك العطر الممزوج بالهيل الذي يسبق الكلام في هذه الأرض منذ قرون، ويقول للضيف قبل أي عبارة: أنت في أمان. وشاح الدخان يتصاعد رقيقاً من موقد الحطب، ووبر الخيمة يحتفظ بحرارة النهار ويقطر منها على برد الليل.

وعدد الحاضرين كان محدوداً بصورة لافتة. لم يكن ذلك تقشفاً في البروتوكول، بل قراراً. فالرجلان كانا يريدان التحدث بحرية، بعيداً عن الآذان التي تنقل، والأقلام التي تدوّن، والعيون التي تفسّر. في الصحراء لا جدران، لكن فيها أعظم أنواع الخصوصية: الاتساع. هناك، حيث لا يسمعك إلا الرمل والريح، يمكن لرجلين أن يقولا ما لا يُقال في القصور.
كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، قد أمضى أسابيع يفكر في سؤال واحد: ماذا سيحدث عندما يغادر البريطانيون؟ كان يعلم أن أبوظبي تملك النفط، لكنه كان يعلم أيضاً أن النفط لا يصنع دولة بمفرده. وكان الخليج يقف على أعتاب مرحلة لم تتضح ملامحها بعد، وفي الداخل إمارات صغيرة ذات مصالح مختلفة.

أما الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيّب الله ثراه، فكان ينظر إلى دبي، مدينة تعتمد على التجارة والانفتاح، ويعرف أن أي اضطراب سياسي أو أمني قد يضرب كل ما بناه خلال سنوات. كلاهما كان يدرك أن العالم الذي عرفه الخليج يقترب من نهايته.

الحديث داخل الخيمة لم يبدأ فوراً بالاتحاد. كان هناك أولاً ملفات عالقة بين الإمارتين، قضايا حدود، وترتيبات مستقبلية، وعلاقات قديمة تحتاج إلى تسوية. لأنك لا تبني اتحاداً فوق خلافات غير محلولة. ثم جاء السؤال الذي غيّر التاريخ. سؤالٌ واحد ملأ الهواء:

هل نواجه المستقبل منفصلين أم معاً؟
الشيخ زايد لم يكن يبحث عن ضم دبي. والشيخ راشد لم يكن يبحث عن حماية من أبوظبي. كان الاثنان يبحثان عن صيغة تخلق دولة قابلة للحياة. وكان كلاهما يدرك أن ما يملكه وحده لا يكفي لبناء ما يحلمان به معاً. أحدهما يملك الثروة، والآخر يملك بوابة التجارة، لكن المستقبل كان يحتاج إلى ما هو أكبر من مجموع الاثنين. وفي تلك اللحظة التقت المصلحتان.

لم يكن أحد متأكداً أن المشروع سينجح، لا الشيخ زايد، ولا الشيخ راشد، ولا البريطانيون، ولا بقية الحكام. ولهذا وصف أحد المسؤولين البريطانيين مشروع الاتحاد لاحقاً بأنه «شتلة صغيرة» يمكن أن تنمو ويمكن أن تموت. لم يكن اعترافاً بالضعف، بل كان اعترافاً من داخل المطبخ السياسي بأن ما نراه اليوم دولةً راسخة بدأ مشروعاً بالغ الحساسية، ونجاحه لم يكن مسلماً به إطلاقاً.

وهنا، في عرقوب السديرة، لم تكن هناك مجرد خيمة في صحراءٍ هادئة، بل كان هناك عهدٌ ووعد.
عهدٌ بين رجلين أدركا أن المستقبل لا يُورث بل يُبنى، ووعدٌ لشعوب المنطقة بأن زمن التفرّق يمكن أن يفسح المجال لزمن الاتحاد. لم يكن العهد مكتوباً بالحبر فقط، بل بالثقة المتبادلة. ولم يكن الوعد موجهاً لجيلهما وحده، بل لأجيالٍ لم تكن قد وُلدت بعد.

كان العهد أن تبقى المصلحة العامة فوق المصالح الضيقة. وكان الوعد أن تتحول الإمكانات المتفرقة إلى قوةٍ واحدة، وأن يصبح التعاون بديلاً عن التنافس، والشراكة بديلاً عن العزلة. أعظم ما في ذلك اليوم أن أحداً لم يكن يملك يقين النجاح، لكنهم امتلكوا يقين المحاولة. فالدول العظيمة لا تبدأ دائماً بالجيوش والقصور، بل تبدأ أحياناً بمصافحة صادقة، وعهدٍ يُحفظ، ووعدٍ يُوفى به.

أعظم ما حدث في عرقوب السديرة لم يكن توقيع وثيقة، بل اتخاذ قرار نفسي وسياسي نادر: الانتقال من عقلية الإمارة إلى عقلية الدولة. هذا القرار سبق التوقيع، وسبق الصورة، وسبق كل ما جاء بعد ذلك.
والشتلة الهشة أصبحت شجرة. وما كان يوماً احتمالاً سياسياً قابلاً للتعثر، أصبح اليوم تجربةً تستلهم منها أممٌ كثيرة طريقها إلى المستقبل.

ومن تلك الخيمة خرج الإرث، وعلى هذا الإرث نشأ جيلٌ حمل الأمانة وأكمل المسير: صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

لكلٍّ منهما مدرسته، ولكلٍّ منهما تجربته، لكنهما التقيا عند الفكرة نفسها: أن ما بناه زايد وراشد في تلك الخيمة ليس حدثاً تاريخياً يُحفظ في الذاكرة، بل أمانةٌ تُحمل وتُبنى عليها يوماً بعد يوم.
الشيخ محمد بن زايد كان ضابطاً قبل أن يكون حاكماً. وهذا ليس تفصيلاً في السيرة، بل هو مفتاح الشخصية. من يتشكّل في المؤسسة العسكرية يتعلم ما لا تُعلّمه المناصب: أن حماية الأرض لها ثمن، وأن القرار له تبعة، وأن الوقت في غرفة العمليات لا يُعوَّض. حمل هذه المدرسة معه، لم يتركها عند باب القيادة، بل أدخلها إلى قلب الحكم. فصارت الدولة تُدار بعقلية من يعرف الجبهات المتعددة، ولا يتوهم أن الانتصار يأتي من جبهة واحدة.

والشيخ محمد بن راشد تشكّل في مدرسة مختلفة. دبي لم تكن تملك نفطاً بالمقدار نفسه، ولم تكن تملك عمقاً جغرافياً. ما كانت تملكه هو موقعٌ وتجّار وثقة. فتعلّم أن رأس المال الحقيقي ليس ما تحت الأرض، بل ما في عقول الناس وما في سمعة المكان. من هذا الدرس المبكر صنع فلسفة حكم: أن الدولة تنافس بالجاذبية لا بالإكراه، وأن الاقتصاد يُبنى بالثقة قبل البنية التحتية. ولهذا حين نظر إلى المستقبل لم يسأل ماذا نملك، بل سأل ماذا يريد العالم وكيف نكون في مساره. هذا ليس حلماً، بل هو أصعب أنواع الحسابات الاستراتيجية.

كلاهما نشأ في ظل الشيخ زايد، ذلك الرجل الذي أراد الله على يديه أن تقوم أمةٌ من رمال وإرادة. ولم يكن ما أخذاه عنه تعليماً بالمعنى المدرسي، بل وصيةً حيّة تُشرّب ولا تُدرّس. وصيةٌ لا تُكتب في وثيقة، بل تُقرأ في نظرة رجلٍ يرى في حبة الرمل وطناً، وفي كل وجهٍ أمامه أمانة. من جلس إلى الشيخ زايد تعلّم أن القيادة ليست سلطةً تُمارَس، بل عبئاً يُحمَل بمحبة، وأن الدولة ليست جهازاً يُسيَّر، بل روحٌ تحتاج من يحرسها في كل لحظة وفي كل قرار. وحين آن أوانهما، لم يرثا عرشاً، بل حملا مشعلاً.

فرسانٌ يقودون، ويعرفون أن الأمن والأمان ليسا عندهم مجرد سياسة دفاعية، بل نَفَسٌ يتنفسونه، وروحٌ تجري في كل قرار. لأن الفارس الحقيقي لا يحمي الأرض فحسب، بل يحمي من عليها. ومن عليها عائلاتٌ، وبيوتٌ، وأطفالٌ، وأحلامٌ، ومستقبل.
عينهما على كل بيت. ليس مجازاً، بل منهج. يريان التلميذ المتفوق في مدرسته فيحتفلان به بشعور الأب الذي يرى امتداده في أبنائه، ويحثان البقية على نفس الطريق، لأنهما يعلمان أن التفوق ليس حظاً فردياً بل بذرةٌ تُزرع في الإنسان حين يشعر أن أحداً يراه.

الدولة هنا ليست جهازاً إدارياً، بل عائلةٌ كبيرة، رأسها يعرف أن المواطن حين يعيش بطمأنينة، حين يُؤمَّن صحته وتعليمه ومستقبله، حين يُدعم في مشروعه ويُشارك في بناء وطنه، لا يكون مجرد ساكنٍ في دولة، بل يكون شريكاً في مشروع حضاري.
وهذه العائلة الكبيرة لا تُغلق بابها على أبنائها وحدهم. فالمعاملة في هذه الدولة تقوم على القيم قبل الأوراق، والمقيم على هذه الأرض يجد ما يجده المواطن من احترامٍ لكرامته، وحفظٍ لحقه، وطمأنينةٍ على أهله ورزقه. أكثر من مئتي جنسية تعيش تحت هذه السماء، تعمل وتبني وتُبدع، لأنها تعرف أن جهدها محفوظ، وأن القانون مظلة الجميع، وأن الاحترام هنا ليس امتيازاً يُمنح بل قاعدةً لا استثناء فيها. وخلف هذه الطمأنينة سهرٌ لا يعرف النوم، عيونٌ تحرس الليل ليمشي الطفل إلى مدرسته آمناً، وتعود العائلة إلى بيتها في أي ساعةٍ مطمئنة. فالأمن والأمان في الإمارات ليسا إنجازاً يُحتفى به مرة، بل عهدٌ يُجدَّد كل يوم، وهما أول ما يذكره كل من عاش على هذه الأرض حين يُسأل عنها.

والجبهة الاقتصادية امتداد لهذه الرؤية الإنسانية. بنيةٌ متعددة الأداء، ورؤيةٌ استراتيجية تجعل المستثمر يضع ثقته لأنه يرى دولةً تُخطط لعقود لا لمواسم، وتُدار بعقلية من يعرف أن الثقة لا تُشترى، بل تُبنى يوماً بعد يوم، وقراراً بعد قرار.
ضاقت الأرض، ثم أصبح الأفق أوسع من حدود الأرض.
فحين تُنجز أمةٌ ما يعجز عنه كثيرون، يصبح التطلع إلى الفضاء امتداداً طبيعياً لمسيرتها. فكان الفضاء.
مسبار الأمل لم يكن مجرد مركبةٍ علمية، بل كان رسالة بلغة لا تحتاج ترجمة: أن أمةً خرجت من الصحراء قبل عقود قليلة، قادرةٌ على أن تُرسل بصمتها نحو المريخ. وخلف هذه الرسالة قيادةٌ تعلم أن الفضاء ليس ترفاً علمياً، بل هو المرآة الكبرى التي يرى فيها الجيل القادم نفسه، ويُدرك أن لا سقف لما يمكن أن يكونه.
ويبقى للمحمدين كلمة وفاء.

لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، ولصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، اللذين حملا الإرث بأمانة، وصانا العهد، وجعلا الإنسان محور الحكاية كما كان منذ بدايتها. فإذا كان الأمس قد كُتب بزايد وراشد، فإن الحاضر يرويه محمد بن زايد ومحمد بن راشد، كلٌّ بمدرسته، وكلاهما في خدمة الحلم نفسه.

فالإمارات عهدٌ ووعد. عهدٌ بدأ في خيمةٍ بالصحراء حين اجتمع رجلان على فكرة الدولة، ووعدٌ يتجدد مع كل جيلٍ يحمل الأمانة ويضيف إلى الحكاية فصلاً جديداً. فتاريخ الإمارات ليس تاريخ النفط أو الاتحاد فقط، بل تاريخ إنسانٍ عرف الجمال قبل أن يعرف الثروة، وعرف البناء قبل أن يعرف الدولة، ثم حمل هذا الإرث معه من اللؤلؤة إلى الفضاء. والبصمة الإماراتية في صناعة المستقبل ليست في الأرقام وحدها، هي في أن دولةً قررت أن تكون، فكانت، وفي أن قادةً قرروا أن يبنوا بالإنسان قبل الحجر، فبنوا.
وما كان يوماً لؤلؤةً صعدت من قاع البحر، صار اليوم مساراً يشق أفق الكون.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com